في قضية أشبه بأفلام الإثارة والغموض، تحولت التكنولوجيا الصامتة إلى «شاهد ملك» في لغز اختفاء السيدة نانسي غوثري، البالغة من العمر 84 عامًا، ووالدة سافانا غوثري، المذيعة الشهيرة في برنامج «توداي» (Today). فمن قلب مدينة «توسان» بولاية أريزونا الأمريكية، بدأت فصول القصة باختفاء السيدة العجوز من منزلها في الأول من فبراير، تاركة المحققين أمام لغز محير، قبل أن تقلب «بيانات شبحية» موازين التحقيق رأسًا على عقب.
المعجزة التقنية: استخراج فيديو من «العدم»
بدأت نقطة التحول الدرامية عندما أعلن محققو مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ومكتب عمدة مقاطعة «بيما» عن نجاحهم في استعادة لقطات حاسمة من كاميرا جرس الباب «Google Nest» المثبتة خارج منزل الضحية.
المفاجأة التي أذهلت الجميع لم تكن في وجود الكاميرا، بل في حقيقة أنها كانت «مفصولة» ولا ترتبط بأي اشتراك فعال لتخزين الفيديو.
وفقًا للقواعد التقنية المعروفة، فإن الكاميرات ذات الخطط المجانية تقوم بحذف الفيديوهات تلقائيًا خلال 3 إلى 6 ساعات، وهو وقت طويل جدًا بعد الإبلاغ عن اختفاء غوثري.
ولكن، ببراعة تقنية وصفها العميل الخاص المتقاعد جيسون باك بأنها «كالعثور على إبرة في كومة قش»، تمكنت السلطات من استخراج ما أسمته «البيانات المتبقية الموجودة في الأنظمة الخلفية» للشركة.
يفسر خبراء الأمن السيبراني هذا اللغز التقني بما يُعرف بـ «الحذف الكسول» (Lazy Deletion).
يقول خبير الأمن السيبراني أليكس ستاموس: «إن التخزين الداخلي يستخدم آلية حذف كسولة؛ فرغم أن الفيديو يظهر للمستخدم كأنه محذوف لعدم اشتراكه، إلا أن الملفات الفعلية قد لا تُحذف من خوادم جوجل لعدة أيام حتى تحتاج الشركة إلى مساحة التخزين تلك للكتابة فوقها».
ويضيف باتريك جاكسون، الباحث السابق في وكالة الأمن القومي، بعدًا آخر، مشيرًا إلى أن الكاميرات تمتلك «وضع التلاعب»، وهو ميزة أمنية تنبه النظام عند فصل الجهاز، مما قد يدفع خوادم جوجل للاحتفاظ بالبيانات لفترة أطول كدليل محتمل لجهات إنفاذ القانون.
الشبح المقنع: 4000 مكالمة في 24 ساعة
اللقطات التي تمت استعادتها من «العدم» كشفت عن مشهد مرعب: شخص يرتدي قناع تزلج وقفازات يقف خارج باب نانسي غوثري في الليلة التي اختفت فيها. أظهرت الصور ومقاطع الفيديو الشخص وهو يحمل حقيبة ظهر، وما يبدو أنه سلاح مثبت على حزامه.
يصف إدوارد بيكر، المحلل الجنائي، الفيديو بأنه «منجم ذهب»، مشيرًا إلى تفاصيل دقيقة قد تقود للجاني، مثل ظهور شعر الوجه من فتحة القناع، وتصميم الحقيبة، والمواد العاكسة عليها.
ورغم أن الفيديو بلا صوت وألوانه غير واضحة، إلا أنه قدم للمحققين أول خيط حقيقي في القضية.
![]()
ومن جانبه، حلل لانس ليسينغ، العميل السابق في الـ FBI، سلوك المشتبه به، واصفًا إياه بـ «غير المحترف».
ففي الفيديو، اقترب الشخص من الباب ورأسه للأسفل متوقعًا وجود كاميرا مراقبة علوية، لكنه بدا متفاجئًا بوجود جرس الباب الذكي، مما يشير إلى أنه ليس «مجرمًا محترفًا» ولكنه يمتلك «عقلية إجرامية» كافية لتنفيذ جريمة شنيعة.
هذا التطور أشعل الرأي العام، حيث تلقى خط المساعدة الخاص بمكتب العمدة أكثر من 4000 مكالمة ورسالة في غضون 24 ساعة فقط بعد نشر الصور، ليصل إجمالي البلاغات في القضية إلى نحو 18,000 مكالمة.
خيط «البيتكوين» والمداهمة الخاطئة
في مسار موازٍ للتحقيق، ظهر خيط جديد زاد المشهد تعقيدًا: «مذكرة فدية» تطالب بالدفع عبر عملة «البيتكوين». ورغم أن السلطات لم تؤكد صحة المذكرة، إلا أنها تتعامل معها بجدية تامة.
ويوضح بن فايس، مراسل العملات المشفرة، أن المجرمين غالبًا ما يظنون أن البيتكوين مجهول المصدر، لكن تقنيات «سلسلة الكتل» الحديثة باتت قادرة على تتبع المعاملات وكشف الجناة.
وفي تطور ميداني متسارع، توجهت الأنظار ليلة الثلاثاء إلى مدينة «ريو ريكو» في أريزونا، الواقعة قرب الحدود المكسيكية.
هناك، أوقفت السلطات رجلًا يُدعى «كارلوس» في نقطة تفتيش مرورية، واشتبهت بصلته بالقضية، حيث فتشت قوات إنفاذ القانون منزله بدقة بموجب مذكرة محكمة، في عملية استمرت لساعات.
لكن «كارلوس»، الذي تحدث للصحفيين بعد إطلاق سراحه في وقت مبكر من صباح الأربعاء، أكد براءته قائلًا: «أنا لم أفعل شيئًا.. أنا بريء».
وأوضحت حماته، جوزيفينا مادوكس، أن المحققين تلقوا بلاغًا بوجود الضحية في منزلهم، لكن التفتيش لم يسفر عن شيء، مؤكدةً أن صهرها مجرد سائق توصيل لا علاقة له بالقضية.
السباق مع الزمن
وحتى اللحظة، ورغم التكنولوجيا المتطورة والجهود المكثفة التي شملت مئات المحققين وتمشيطًا واسعًا للطرقات في منطقة «كاتالينا سفوح الجبال» حيث تعيش الضحية، لا يزال مصير نانسي غوثري مجهولًا.
وبينما تراقب العاصمة واشنطن الموقف عن كثب، حيث وصف البيت الأبيض رد فعل الرئيس دونالد ترمب بـ «الاشمئزاز الخالص» من الجريمة، تستمر «البيانات الشبحية» التي استخرجتها جوجل في كونها الأمل الأبرز لفك طلاسم لغز «توسان»، في انتظار الخطأ القادم الذي قد يرتكبه الخاطف.

