فاضل العماني
على مدى العقود الأربعة الماضية، شهدت أنا وكل من هم في جيلي الكثير من الصراعات والنزاعات والحروب والأحداث الكبرى التي شكّلت وصاغت الخارطة السياسية والأمنية والواقع الاجتماعي والثقافي لمنطقة الخليج العربي، بدءًا بالحرب العراقية الإيرانية والتي أطلق عليها حرب الخليج الأولى (1980-1988)، وبعدها بعامين وقعت حرب تحرير الكويت (1990-1991) والتي عُرفت بحرب الخليج الثانية، مرورًا بغزو العراق في عام 2003 والتي أدت إلى سقوط نظام صدام حسين وتحوُّل العراق إلى حالة فوضى أمنية وسياسية وطائفية نتج عنها تأثيرات وتموجات كبيرة وخطيرة، وأخيرًا وليس آخرًا الحرب الدائرة منذ أسبوعين والتي شنّتها أمريكا وإسرائيل على إيران، هذا طبعًا غير الكثير الكثير من الهجمات والتوترات والمواجهات ضد الإرهاب والحوادث والخلافات التي شهدتها هذه المنطقة المهمة في المشهد العالمي.
هذه المقدمة/القائمة الطويلة والمزدحمة بالحروب والحوادث التي ذكرت بعضها ولم يسع المجال لسرد بقيتها، ليست من أجل رسم صورة قاتمة لهذه المنطقة الملهمة والثرية والتي تكتنز منابع الطاقة ومصادر الحضارة، هي ليست من أجل ذلك، بل على العكس تمامًا، فهي محاولة مخلصة لاستحضار التجارب والتحديات الكبرى التي شهدتها الأجيال خلال تلك العقود الأربعة المثيرة.
كثيرة هي الدروس والعبر التي نسجت فكرنا وقناعاتنا، وهنا سأذكر ثلاثةً منها:
الدرس الأول هو قوة ومتانة وطننا العزيز وقدرته الفائقة على تحمل كل تلك المخاطر والأزمات، كيف لا وهو بقيادة رشيدة تعاقب عليها ملوكنا وقادتنا منذ المؤسس وصولًا لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز بحكمته الملهمة وتجربته الطويلة وولي عهده الأمين عرّاب رؤيتنا الطموحة ومهندس نهضتنا الحديثة.
وطن بهذا الإرث الديني والتاريخي والحضاري والثقافي والاقتصادي الذي يحسده عليه القاصي والداني وبقادة عظام همهم الأول تطور وازدهار هذه الأرض المباركة التي شرفها الله بأن تكون مهد الرسالة المحمدية وقبلة للمسلمين وأرض الحرمين الشريفين وبشعب نبيل يعشق ترابه حد الجنون.
الدرس الثاني نستخلصه من الأزمات والتحديات التي نحولها إلى نجاحات، تمامًا كمن يصنع من الليمون شرابًا حلو المذاق.
ما يحدث من حولنا من صراعات ونزاعات، بل وما قد يصيبنا من مكروه أو ضرر، يزيدُ من وحدتنا وقوتنا، ويجعلنا على قلب واحد للدفاع عن وطننا بكل ما نملك من تضحيات وقدرات، وأن يعلو الوطن، وحده الوطن فوق كل الانتماءات والاصطفافات.
الدرس الثالث والذي يجب أن يُعلّق على أستار القلوب ويُنسج بوعي العقول هو قيمة وأهمية الأمن والأمان والذي نحظى به في هذا الوطن الآمن المستقر والذي يعيش تحولًا تنمويًا وتنويريًا على كافة الصعد والمستويات، ويقفز بنجاح وثبات متصدرًا كل القوائم والمجالات، عربيًا وعالميًا. ما أروع هذا الوطن بإنسانه وترابه وريادته، وما أجمل مملكتنا الحبيبة: بلد الأمان ودرة الأوطان.

