الدكتور محمد عبدالله – إخصائي التربية النفسية والسلوكية وثقافة الأطفال
كثيرٌ من الآباء والأمهات يشتكون من أمرٍ واحد: “نحن نتحدث كثيراً مع أبنائنا نوجههم، ننصحهم، نشرح لهم الصواب والخطأ، لكننا لا نرى استجابة حقيقية كما كنا نتوقع”.
إذا كنت تشعر بهذا الشعور، فأحب أن أقول لك: “أنت لست وحدك، هذه تجربة يمر بها كثير من المربين، بل ربما مرّ بها معظمنا في مرحلة من مراحل التربية”.
مع مرور السنوات تعلمت درساً تربوياً مهماً: “الأطفال لا يتغيرون كثيراً بالكلام، لكنهم يتغيرون بالبرامج”، لا سيما أننا في التربية نكثر من التعليمات: “صلِّ، اقرأ، ادرس، ابتعد عن هذا، اقترب من ذاك”.
بينما الطفل بطبيعته لا يعيش مع التعليمات، بل يعيش داخل البيئة والأنشطة والبرامج التي تحيط به،
ولهذا فإن تحويل القيم التي نريدها إلى برامج يومية أو أسبوعية في حياة الأسرة قد يكون أكثر تأثيراً بكثير من عشرات المحاضرات والنصائح.
حين تجعل بعد صلاة الفجر نشاطاً لطيفاً للأسرة- حديثاً قصيراً أو قراءة صفحة من كتاب مع تناول شيء خفيف- فإنك لا تشجع أبناءك على الاستيقاظ للفجر بالكلام، بل ببرنامج جميل ينتظرهم كل يوم،
وحين تجتمع الأسرة مرة يومياً لقراءة القرآن معاً، ولو لعشر دقائق، فإن القرآن يتحول من توجيه نظري إلى عادة حيّة في البيت.
وحين تبحث لأبنائك عن رفقة صالحة من خلال برنامج أو نشاط يجمعهم بأطفال طيبين، فإنك لا تختار لهم أصدقاءهم بالكلام، بل ببناء البيئة التي يتكوّن فيها ذلك الصديق.
وحين تسجّل أبناءك في برنامج رياضي منتظم، فإنك لا تقول لهم: تحركوا، مارسوا الرياضة، بل تجعل الحركة جزءاً طبيعياً من حياتهم، والأمر نفسه في القراءة، الدراسة، وفي العادات اليومية كلها.
إذا أردت أبناءك يدرسون أكثر، فلا تكثر من قول: “ادرسوا”، ويجب أن تصنع لهم برنامج دراسة واضحاً، أو غرفة يجلسون فيها معاً للمذاكرة، أو وقتاً ثابتاً يجتمعون فيه للدراسة، واجلس معهم.
كن خفيفاً في حضورك بينهم، وحين يصبح الأمر برنامجاً يومياً، ستتفاجأ أن ما كنت تطلبه منهم بالكلام، أصبح يحدث تلقائياً.

