حاوره: عبدالله الجريدان
إذا كان البحر الكاريبي يفخر بغابرييل ماركيز فإن شواطئ الخليج تموج بأسامة المسلم، الذي تحول إلى ظاهرة ثقافية في عصر يُتهم جيله بأنه قليل القراءة ويعتمد بشكل رئيس على المواد البصرية ويتغذى ثقافياً عبر مواقع التواصل الاجتماعي حتى أصيب بعضهم بما يسمى «تعفن الدماغ»، لكن تلك الادعاءات لم تصمد أمام طوابير انتظار القراء في معارض الكتاب للقاء بأسامة.
المفاجأة التي شكلتها مؤلفات المسلم في معظم بلدان الوطن العربي مدعاة للبحث والدراسة، إذ نبغ كاتب بقلم تصل مفردته إلى فئات عمرية سبقت إليها خوارزميات الصين البليونية، وأساليب العرض الغربية المشوقة.
استطاع المسلم أن يحصل على وقت من العمر الثقافي لتلك الأجيال، لكنه في المقابل واجه انتقادات لاذعة وصمت منتجاته الأدبية بالركاكة والسطحية، وأن مشاهد «طوابير الانتظار» هي حالة من وهم حب الثقافة الذي يعيشه المراهقون.
في حوار لـ«الوئام» تحدث أسامة المسلم بصراحة وشفافية عن العديد من القضايا المرتبطة بتجربته الأدبية فإليكم نص الحوار.
بين “الطقوس” والورق
- في البداية .. كل عام وأنت بخير بمناسبة شهر رمضان المبارك، هل لديك طقساً رمضانياً خاصاً تحرص على استمراريته كل عام؟
-رمضان بالنسبة لي هو شهر «السكينة الصاخبة»، طقسي الدائم هو العزلة الذهنية، أحرص على أن يكون الصوم ليس عن الأكل والشرب فقط، بل كذلك عن الشخصيات التي سكنت رأسي طوال العام، رمضان هو الوقت الذي أُعيد فيه ترتيب أوراقي بعيداً عن ضجيج حفلات التوقيع ومعارض الكتاب والندوات والمجاملات الاجتماعية .
- لديك غزارة في الإنتاج الأدبي، كيف يكون إيقاع الكتابة لديك خلال شهر رمضان؟ هل «القوى الخفية» تتوقف في هذا الشهر؟
⁃ القوى الخفية (الإلهام) لا تتوقف، بل تصبح أكثر حدة ووضوحاً بالنسبة لي في رمضان، الكتابة عندي فعل تنفس، ولا يمكن للمرء أن يتوقف عن التنفس لأنه صائم، بالعكس، الجوع الجسدي عندي يغذي «الشبع الخيالي».
فخ النجاح وذائقة الجمهور
- أريد أن أسألك عن النجاح.. هل شعرت يوماً أنك أصبحت أسيراً لنجاحك؟ بمعنى أن الجمهور بات يتوقع منك نمطاً معيناً من الكتابة يصعب عليك الخروج منه؟
الجمهور دائماً ما يريد «المزيد مما يحب»، وهذا فخ، أنا لا أسمح لنفسي بأن أكون أسيراً لنمط واحد معين، أنا أقود ذائقة القارئ، ولا أسمح لها بأن تقود قلمي.
لو لم تحقق هذا الانتشار الجماهيري الواسع، هل كنت ستستمر بنفس الشغف والحماسة، أم أن تفاعل الجمهور هو الوقود الأساسي لاستمرارك؟
الجمهور هو «المرايا» التي أرى فيها انعكاس خيالي، لو لم أحقق هذا الانتشار، كنت سأستمر في الكتابة بلا شك، لأنني أكتب لنفسي أولا، لكن بكل صدق تفاعل الجمهور هو الوقود الذي يجعل الشعلة تستعر وتتوهج ، الشغف يبقيني حياً، والجمهور يبقي كتاباتي حية.
المهمة المقدسة
- يلاحظ أن شريحة كبيرة من قرائك هي من فئة اليافعين والشباب (12 – 18 عاماً)، هل تعتبر الوصول إلى هذه الفئة العمرية والتأثير فيها ميزة أساسية في مسيرتك؟
هذه ليست مجرد ميزة، بل هي مهمة مقدسة، الوصول لعقل شاب في عمر الـ 15 وسط مغريات «تيك توك»و «الألعاب الإلكترونية» هو إنجاز لا تضاهيه جوائز أدبية، هؤلاء هم الذين سيبنون وعي المستقبل، وفخور جداً أنني كنت «الباب»الذي ولجوا منه لعالم القراءة.
- إذاً هل تشعر بمسؤولية ثقافية أو مجتمعية خاصة تجاه هذا الجيل الذي يتابع أعمالك بشغف؟
أشعر بمسؤولية ضخمة وكبيرة جداً، أنا لا أقدم لهم مجرد «حكايات» بل أزرع فيهم التفكير النقدي، والثقة في ذواتهم والبحث خلف وما بين السطور، والاعتزاز باللغة العربية بأسلوب عصري، والزهو والفخر بعروبتهم ، هذا الجيل ذكي جداً، ولا يقبل الوصاية، لذا أخاطبهم كندّ لندّ وليس كمعلم لتلميذ.
استفزاز الناجحين.. وهجوم الفاشلين.
- عودةً إلى شهر رمضان .. هل لاحظت أنه يرتبط أحياناً بتلقيك هجوماً أو انتقادات لاذعة بشكل أكبر من أي وقت آخر؟ وكيف تتعامل مع هذا الهجوم الدوري؟
الهجوم حاصل في كل الأوقات ،لكن ممكن يزداد أحياناً في رمضان لأن «وقت الفراغ» يزداد عند البعض، والبعض قد يرى في النجاح استفزازاً لفشله الشخصي وبالنسبة لي أتعامل مع الانتقادات بابتسامة وهدوء، ليقيني أن العمل الناجح هو الذي يثير الجدل، أما العمل الميت فلا يلتفت له أحد.
- فيما بتعلق بالانتقاد اللاذع .. هل سبق أن تنازلت عن فكرة كنت تؤمن بها بشدة، خوفاً من ردة فعل الجمهور أو لتجنب الجدل؟
أبداً لم أتنازل ولن أتنازل عن فكرة أؤمن بها لإرضاء أحد أو خشية من مواجهة أحد ، الصدق مع الذات هو ما صنع اسم أسامة المسلم، إذا بدأت بالخوف من ردة الفعل، فقدت هويتي ككاتب.
من الكتاب إلى الشاشة.
- انتقلت مؤخراً للمساهمة في صناعة السينما، ليس فقط كروائي تُقتبس أعماله، بل من خلال مهام أخرى. شاركنا عن هذا الجانب الجديد في مسيرتك.
السينما هي «التجسيد البصري» لرواياتي، دخولي في هذا المجال كان امتداد لأحلامي الكتابية، وللمشاركة في الصناعة والسيناريو والرؤية الفنية. أريد أن أضمن أن ما يظهر على الشاشة يحمل روح النص، لا أن يكون حاملاً لاسمي فقط.
- لو أُتيحت لك فرصة «تحرير» شريط مسيرتك الروائية حتى الآن، ما هي الأمور التي قد تضيفها، وما الذي قد تتجنبه، وعلى ماذا ستركز بشكل أكبر؟
⁃ لا شيء حقيقةً، فخور بمسيرتي ولم أندم أو أتمنى تعديل شيء فيها لأن كل مرحلة كانت جزءًا من البناء الذي أوصلني إلى ما أنا عليه اليوم.
الشهرة افضل من «اعتراف النقاد»!
- بصراحة تامة، لو خُيّرت بين الشهرة الجماهيرية الواسعة التي تحظى بها حالياً، وبين نيل اعتراف نقدي عالمي عميق من كبرى المنصات الأدبية، ماذا ستختار؟
-ليس عندي أدنى تردد بأن ما حصلت عليه اليوم من شهرة جماهيرية واسعة هو خير ألف مرة من اعتراف ناقد بما أكتب .
اعتراف الناقد قد يضع كتابي على رف مغبر في أكاديمية، لكن حب الجمهور يضع كتابي في قلب كل بيت، أنا أكتب للناس، والناس هم «النقاد الحقيقيون» الذين يمنحون العمل الخلود.
- هل واجهت يوماً ما يمكن تسميته «بالنهب الأدبي»؟ كأن تسرق فكرة جوهرية منك أو تجدها مستنسخة في عمل آخر؟
واجهت الكثير من «الاستنساخ»، لكنني أعتبره ضريبة النجاح، الفكرة قد تُسرق، لكن «الروح» و«الأسلوب» و«النفس الروائي» بصمات وراثية لا يمكن تزويرها. السارق دائماً يظل خلفك، ولن يسبقك أبداً.
ناهض بالخيال.. محيي للقراءة
- بعد 50 عاماً من الآن، إذا قرأ ناقد أدبي أعمالك، ماذا تتمنى أن يكون انطباعه أو حكمه على “عالم أسامة المسلم”؟
أتمنى أن يقال: «هذا هو الكاتب الذي أعاد الاعتبار للخيال العربي الروائي الذي هجر طويلاً، وجعل ملايين الشباب واليافعين العرب يقرؤون في زمن ظن فيه الجميع أن الكتاب قد مات وأن القراءة قد هُجرت »
- العيدية الأولى
أخيراً، نعود بالذاكرة للطفولة، ما هي أكبر «عيدية» حصلت عليها، ومن مَن كانت، وكم كان عمرك حينها؟
مبلغ ٥٠٠ ريال من جدي حينما كنت في عمر السابعة
- أسامة شكراً لك.
- شكراً لكم

