عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ
@Alshaikh2
في السياسة، لا تُقاس القرارات بنتائجها الفورية فقط، بل بما تتركه خلفها من آثار. كثير من الجهات، دولاً كانت أو حركات، تحقق نجاحات سريعة تُصنَّف على أنها «انتصارات تكتيكية». لكن هذه الانتصارات، في كثير من الأحيان، لا تكون سوى قروض قصيرة الأجل تُسدد لاحقاً بفوائد مرتفعة. هنا تظهر فكرة يمكن تسميتها بـ«الضريبة التكتيكية».
الضريبة التكتيكية ليست تكلفة تشغيلية، ولا ثمناً سياسياً مباشراً. هي كلفة مؤجلة، تتراكم بصمت، و تُدفع على مدى طويل نتيجة خيار تكتيكي بدا ناجحاً في لحظته. الفرق بينها و بين التكلفة التقليدية أن الأخيرة تُحسب مسبقاً، أما هذه فتظهر لاحقاً، غالباً حين يصبح التراجع مكلفاً أو مستحيلاً.
المفارقة أن بعض النجاحات التكتيكية تحمل بذور فشلها الاستراتيجي. شركة تخفّض جودة منتجها لزيادة المبيعات قد تنجح مؤقتاً، لكنها تدفع ضريبة فقدان الثقة. لاعب كرة يعتمد الخشونة قد يربح مواجهة، لكنه يخسر موسماً بالإيقافات. المنطق نفسه يتكرر في السياسة، لكن على نطاق أوسع و أخطر.
في الشرق الأوسط، يمكن قراءة كثير من الصراعات من زاوية هذه الضريبة. فبعض القوى اعتمدت تفوقاً تكتيكياً واضحاً: حروب خاطفة، عمليات نوعية، أو تفوق تقني. لكنها مع الوقت وجدت نفسها أمام أثمان متراكمة. النجاح السريع لم يتحول إلى استقرار، بل إلى دائرة مستمرة من التوتر.
لكن الصورة لا تكتمل من زاوية واحدة. فحتى القوى التي تبدو متفوقة تكتيكياً في لحظات معينة دفعت، و لا تزال، ضريبة خياراتها. السياسات العسكرية والأمنية المكثفة والاستيطانية في الضفة الغربية وغزة حققت مكاسب ميدانية، لكنها ساهمت في تعميق دورات العنف، ورفعت كلفة الصراع سياسياً وأخلاقياً، وقيّدت هامش الحركة الدبلوماسية. و في مثال أبعد، كان الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 انتصاراً تكتيكياً سريعاً، لكنه فتح باباً لفوضى إقليمية كلّفت سنوات من الاستنزاف وأعادت تشكيل موازين المنطقة بثمن باهظ.
المشكلة ليست في استخدام التكتيك بحد ذاته، بل في تجاهل ضريبته. كل قرار قصير المدى يجب أن يُقاس بآثاره الطويلة، لا أن يُرفض من حيث المبدأ و لا أن يُقبل دون حساب. يمكن تبسيط الفكرة بمعادلة: كلما زاد المكسب السريع على حساب الاستدامة، ارتفعت الضريبة لاحقاً. الزمن هنا عامل حاسم، لأنه يحول الكلفة الصغيرة إلى عبء مركّب.
السؤال الأهم: هل يمكن تجنب هذه الضريبة؟ الجواب ليس دائماً. بعض القرارات تفرض نفسها في لحظات الأزمات. لكن الفرق بين الفاعل الذكي و غيره، هو في قدرته على حساب هذه الضريبة مسبقاً، و تقليلها، أو تحويلها إلى استثمار طويل المدى.
هناك تكتيكات منخفضة الضريبة: بناء التحالفات، الاستثمار في الاقتصاد، العمل الدبلوماسي المتدرج. هذه لا تحقق نتائج صاخبة، لكنها تراكِم قوة يصعب كسرها. يمكن ملاحظة ذلك في نماذج إقليمية اعتمدت على تنويع الاقتصاد، و بناء الشراكات، و تعزيز الحضور الدولي عبر أدوات ناعمة، فحققت تأثيراً مستقراً دون الدخول في دوامات استنزاف مباشر.
في المقابل، التكتيكات عالية الضريبة قد تبدو جذابة، لكنها تخلق التزامات مستقبلية تقيد صاحبها. مع ذلك، ليست كل ضريبة سلبية. أحياناً تكون الكلفة جزءاً من استثمار أكبر، حين تكون محسوبة ومرتبطة بهدف استراتيجي واضح، لا نتيجة اندفاع تكتيكي غير مدروس.
في النهاية، المشكلة في المنطقة ليست نقص القوة، بل طريقة استخدامها. كثير من الفاعلين يجيدون تحقيق الانتصار اللحظي، لكنهم يفشلون في إدارة نتائجه. و هنا يتحول التكتيك من أداة إلى عبء.
السؤال الذي يفرض نفسه: هل آن الأوان للانتقال من ثقافة «الضربة الناجحة» إلى ثقافة «حساب الضريبة»؟ لأن من لا يحسب كلفة خياراته قد لا يخسر المعركة فحسب، بل يدفع ثمنها لسنوات قادمة.

