د. سعود النداح
ليست كل القضايا تُحسم بالإسراع وبعضها يفقد معناه حين نضغط عليه ليُجيب بسرعة. ما يدور اليوم حول التخصصات الجامعية يتجاوز حدود قرار إداري أو تعديل تنظيمي نحن أمام لحظة تأمل في سؤال جوهري : ماذا نريد من الجامعة وما الدور الذي ننتظره منها في هذا الزمن؟
مع كل تغيير في ملامح التعليم دائماً يعود صوتان مألوفان. أحدهما ينظر إلى الجامعة من زاوية السوق، يراها رافدًا مباشرًا للاقتصاد ويقيس نجاحها بقدرة خريجيها على الدخول إلى سوق العمل بسرعة وكفاءة. والآخر يتمسك بدورها المعرفي ويرى أنها تصنع الوعي قبل أن تصنع الوظيفة وتحمل مسؤولية الحفاظ على الهوية وبناء الإنسان وأن تقليصها إلى أرقام توظيف يختزل معناها.
المشهد يبدو كأنه مواجهة بين طرفين وكل طرف يملك جانباً كبير من الصواب. السوق يفرض حضوره وكذلك الهوية ليست امراً يمكن تجاوزه. الإشكال يبدأ حين يتحول النقاش إلى مواقف حادة إما اندفاع يلغي مساحات معرفية لها أثرها في تشكيل الوعي أو تمسك جامد يراكم تخصصات لا تجد طريقها إلى الواقع العملي.
هنا يظهر الخلل في طريقة التعامل أكثر من الفكرة نفسها. حين تُتخذ القرارات بنبرة حادة يتحول الإصلاح إلى خسارة من زاوية أخرى. الطريق الأكثر اتزاناً لا يقوم على الإلغاء ولا على التجميد إنما يقوم على إعادة التشكيل. التخصص ليس اسماً ثابتاً إنما هو كيان قابل للتطوير وتقاس قيمته بمرونته وقدرته على الارتباط بحياة الناس.
ما نشهده اليوم أقرب إلى إعادة تعريف للعلاقة بين المعرفة وقيمتها. لم تعد المعلومة بذاتها كافية، القيمة الحقيقية تظهر حين تتحول إلى أثر ملموس. السؤال لم يعد ماذا نُدرّس، السؤال أصبح ماذا يضيف هذا التعليم إلى حياة الفرد والمجتمع.
في المجالات التطبيقية يتضح هذا المعنى بشكل أكبر. في القطاع الصحي مثلاً، لا يمكن قراءة نتائج المرضى بمعزل عن ظروفهم الاجتماعية ولا يمكن تحسين تجربتهم دون فهم سلوكهم وثقافتهم. في هذا السياق تبرز العلوم الإنسانية كجزء من الحل حين يُعاد توجيهها لتكون أكثر قرباً من الواقع وأكثر قدرة على التأثير.
القضية ليست في بقاء هذه التخصصات أو اختفائها القضية في قدرتنا على إعادة توظيفها. اللغة يمكن أن تتحول إلى صناعة محتوى ومعالجة لغوية، التاريخ يصبح أداة لفهم التحولات، الجغرافيا تدخل في قرارات التخطيط وتحليل البيانات. المعنى لا يضيع، الذي يتغير هو زاوية النظر إليه.
لهذا فإن التحدي الحقيقي لا يتعلق بقرار إلغاء أو إبقاء، يتعلق بطريقة التفكير التي تسبق القرار. هل نرى التخصص كقالب ثابت، أم كأداة قابلة لإعادة الصياغة؟ هل نستمر في إعادة إنتاج ما اعتدنا عليه، أم نملك الجرأة لنشكّل ما يتناسب مع المرحلة؟
الجامعة التي ستنجح ليست التي تختار بين السوق والهوية، هي التي تفهم كيف تجمع بينهما دون أن تُفرغ أحدهما من معناه. دورها لم يعد محصورًا في نقل المعرفة، دورها أن تمنح هذه المعرفة قيمة، حين تكون اقتصادية، أو اجتماعية، أو إنسانية.
وفي خضم هذا التحول، لن يكون السؤال عن التخصصات التي اختفت، السؤال الحقيقي عن قدرتنا على إعادة تعريفها. لأن الإشكال في النهاية لا يكمن في ما نتركه خلفنا، يكمن في ما لا نملك الشجاعة لتطويره.

