د. أحمد المسيند
في خارطة الاقتصاد العالمي، اعتدنا أن نقيس قوة الدول بناتجها المحلي الإجمالي، وبحجم صادراتها، وقوة عملتها.
لكن، ماذا لو نظرنا إلى “الأزمات” ليس كأحداث عابرة، بل كـ “كيان” له جغرافيته الخاصة واقتصاده العابر للقارات؟
لو كانت الأزمات دولة، لتربعت اليوم على عرش المرتبة الثامنة بين أغنى دول العالم، ليس من باب الثروة، بل من باب “الخسائر المليارية” التي تخلفها في ميزانيات المنظمات والأنظمة.
تكشف الإحصائيات الحديثة لعامي 2025 و2026 (وفق تقارير Secureframe وBCI) عن واقع صادم؛ فخسائر الأزمات المؤسسية السنوية بلغت 2.3 تريليون دولار.
هذا الرقم المرعب يضع “دولة الأزمات” في منافسة مباشرة مع القوى الاقتصادية الكبرى، وهو ثمن ندفعه ليس فقط بسبب الحوادث الفنية، بل بسبب “الفشل الاتصالي” في احتواء تلك الحوادث.
إن الفرق بين منظمة تنجو وأخرى تنهار يكمن في “النافذة الحرجة”؛ تلك الـ 15 دقيقة الأولى التي تلي وقوع الأزمة. في هذه الدقائق المعدودة، إما أن تقود المنظمة السردية وتكسب ثقة جمهورها (بزيادة متوقعة في الرضا تصل إلى 25% عند الاستجابة السريعة)، أو أن تترك الفراغ للمنصات الرقمية لتعيد تشكيل القصة بأسوأ صورة ممكنة.
لا يمكننا الحديث عن “دولة الأزمات” دون التوقف عند سقوط “بنك سيلكون فالي” (SVB). لم يكن البنك يعاني من إفلاس مادي بالمفهوم التقليدي، بل عانى من “إفلاس في السمعة” تسارعت وتيرته رقمياً.
سحب المودعون 42 مليار دولار في يوم واحد نتيجة “ترند” من الذعر؛ مما يثبت أن السمعة ليست مجرد انطباع، بل هي أصل استثماري يمثل 63% من قيمة المنظمة.
وفي المقابل، نجد في تجربتنا الوطنية السعودية نماذج ملهمة في “الاستجابة السيادية” للأزمات؛ فمن التعامل مع هجمات الأحداث الحالية على خلفية الحرب الأمريكية الإيرانية، وحماية مصادر الطاقة التي عززت موثوقية المملكة كأهم مورد للطاقة في العالم، إلى إدارة موسم الحج التي أثبتت أن “التخطيط للاستجابة هو جزء أصيل من الاستجابة نفسها”.
هذه النماذج تؤكد أن التواصل الشفاف والاستباقي هو “العملة الصعبة” الوحيدة التي يمكنها الصمود في وجه أزمات اليوم.
اليوم، لم نعد نعتمد على الحدس في التنبؤ بالأزمات. دخل الذكاء الاصطناعي كلاعب أساسي بدقة تصل إلى 92% في تصنيف وتحليل مشاعر الجمهور عبر المنصات الرقمية.
نحن في عصر “التوأم الرقمي” للأزمات، حيث يمكننا محاكاة سيناريوهات الانهيار قبل حدوثها، وتدريب فرقنا لتكون جاهزة لسباق الـ 15 دقيقة.
الأزمة لحظة مؤقتة، لكن أثرها على السمعة قد يكون دائمًا. حيث تشير الدراسات إلى أن 75% من المنظمات تعمل تجارب افتراضية لكن اللافت أن 80% منها اليوم “غير مستعدة” لمواجهة الأزمات! وهو ما يجعلها عرضة للاستنزاف المالي والسمعي، لذا نتسأل هل هي تجارب افتراضية حقيقية أو (تبدو كـ “checklist”)!.
رسالتي لكل قائد: لا تنتظر وقوع الأزمة لتبحث عن استراتيجية؛ فالسمعة تُبنى في وقت الرخاء لتُحصد في وقت الشدة. الأزمة ليست نهاية القصة، بل هي الاختبار الحقيقي الذي يحدد: هل ستبقى منظمتك صامدة، أم ستصبح مجرد رقم آخر في ميزانية “دولة الأزمات”؟.

