عائشة الفضلي
كاتبة وناقدة في مجال الفن السعودي
تعد زيارة المعارض الفنية حواراً صامتاً يمتد بين جدران المعرض، فهي ليست مجرد جولة لمشاهدة نتاج بصري، إنما وقوف على تجربة إنسانية، واحتفاء بولادة منجزٍ استنزف من وقت الفنان وروحه الكثير.
إن حضور الفنان في معرض زميل له يمثل توقيعاً ضمنياً على ميثاق رقي الوسط الفني، وهو حضور يتطلب ذكاءً اجتماعياً ومهنياً يرفع من قدر الزائر ويجعل لزيارته أثراً يبقى طويلاً بعد إغلاق أبواب المعرض.
وسواء كان صاحب التجربة حاضراً يستقبل زواره، أو كانت الأعمال هي من تتحدث في غيابه، تبرز أصول مهنية تجعل من التواجد في المعرض أثر، حيث يُفضل استحضار حقيقة أن الفنان في لحظة «انكشاف إبداعي» أمام الجمهور، مما يوجب التعامل بتقدير خاص ومنح الفنان المساحة الكافية ليتحدث عن تجربته، كما أن التركيز على معرفة «الدوافع» والظروف التي وُلدت فيها الأعمال يغني عن عبارات المديح التقليدية ويُشعره بالاهتمام الحقيقي بجوهر فنه.
أما في جانب النقد الذكي، فإذا وجدت ملاحظة تستحق الوقوف عندها، فمن الرقي عدم طرحها كـ «تصحيح» إنما صياغتها في قالب «تساؤل» فني يفتح باباً للنقاش ويحترم خصوصية الرؤية بدلاً من وضع الفنان في موقف دفاعي، كأن يتساءل الزائر عن المسار اللوني أو التكنيكي المستخدم.
وللمعرض الفني وقارٌ يجب الحفاظ عليه، ليتمكن الجميع من الانغماس في التجربة الجمالية دون تشويش، ويبدأ ذلك بصون الهدوء وتجنب رفع الصوت أو الضحك الصاخب، وكذلك الترفّع عن التجمعات الجانبية والأحاديث البعيدة عن سياق الفن التي تُفقد المكان غايته كمسكن للتأمل.
كما يمتد هذا الرقي للترفع عن «لغة الأرقام»، فليس من الملائم تحويل لحظة التأمل إلى مساحة تفاوض مادي، والأجدر أن تُترك تفاصيل الأسعار والاقتناء لإدارة الصالة بصفتها الجهة المنظمة.
وحتى في حال غياب الفنان، تظل القيمة الأخلاقية للزيارة قائمة، إذ يبرز دور سجل الزوار كأثر باقٍ، حيث إن كتابة سطر يعكس فهماً لتقنية معينة أو انطباعاً عميقاً تمنح الفنان دافعاً معنوياً كبيراً، كما يكتمل هذا السلوك بالتوثيق المحترم من خلال التأكد من سياسة التصوير أولاً، والالتزام بذكر اسم الفنان بوضوح عند النشر وفاءً للأمانة الفنية والدعم المهني.
إن وعي الزائر بآداب الحضور هو الدعم الحقيقي الذي يحتاجه الفن، فبقدر ما نصون هيبة المكان ونحترم خصوصية التجربة، نساهم في بناء مشهد فني ناضج يليق بالمبدع وجمهوره على حد سواء.

