فاطمة آل دبيس – الرياض
في تطور قضائي لافت يؤسس لمرحلة جديدة في التقاضي الصحي، أسدلت محكمة الاستئناف بمنطقة الرياض الستار على واحدة من القضايا الطبية المثيرة للجدل، بعدما قضت بنقض حكم ابتدائي كان قد ألزم أطباء بدفع تعويض مالي.
أكدت المحكمة، في قرارها الحاسم، عدم ثبوت وجود خطأ طبي في الواقعة محل النزاع، لتفصل بذلك بين النتيجة السلبية للعلاج وبين المسؤولية التقصيرية للممارس الصحي.
تعود تفاصيل القضية إلى دعوى أقامتها مواطنة طالبت فيها بإلزام عدد من الأطباء المدعى عليهم بدفع دية وتعويض مالي، مستندةً إلى ما اعتبرته تقصيرًا في الإجراءات الطبية المتخذة خلال فترة العلاج، وهو ما تسبب في وفاة مورثهم.
كانت المحكمة الابتدائية قد استجابت للدعوى وأصدرت حكمًا يقضي بإلزام المستشفى المدعى عليه بدفع مبلغ مالي يُوزع على الورثة.
بيد أن مسار القضية أخذ منعطفًا مختلفًا بعد الطعن على الحكم أمام محكمة الاستئناف، التي أخضعت كامل ملف القضية لفحص دقيق، شمل التقارير الطبية وأقوال الأطراف.
وخلال جلسات الاستئناف، دفع الأطباء بانتفاء الخطأ الطبي تمامًا، مؤكدين أن الحالة الصحية للمريضة كانت حرجة منذ البداية، حيث كانت تعاني أمراضًا مزمنة، من بينها السكري وارتفاع ضغط الدم، وهي عوامل تزيد بطبيعتها من احتمالات المضاعفات والوفاة.
وأوضح الفريق الطبي أن المريضة وصلت إلى قسم الطوارئ وهي تعاني من ضيق تنفس حاد وانخفاض شديد في مستوى الأكسجين.
ورغم إدخالها الفوري وتقديم الرعاية الطبية اللازمة بشكل عاجل، تدهورت حالتها لاحقًا وتوقف قلبها، ليتم إجراء الإنعاش القلبي الرئوي وفق الأصول المهنية المعتمدة، دون أن تنجح المحاولات في إنقاذها.
جاءت حيثيات حكم الاستئناف لتؤكد أن التقارير الطبية المقدمة لم تثبت وقوع أي خطأ مهني أو تقصير من قبل الفريق الطبي.
وأوضحت المحكمة أن الإجراءات المتخذة كانت متوافقة تمامًا مع الأصول الطبية المعتبرة، لافتةً إلى أن المضاعفات التي أدت إلى الوفاة تدخل ضمن المخاطر المحتملة للحالة المرضية وليست ناتجة عن إهمال.
واستند الحكم في جوهره إلى نظام مزاولة المهن الصحية، الذي يحمي الممارس الصحي وينص صراحة على أنه لا يُعد مخطئًا إذا كان الضرر ناتجًا عن مضاعفات متوقعة، أو ظروف خارجة عن الإرادة، أو نقص في المعلومات المتاحة وقت تقديم العلاج.
وبناءً على ذلك، انتهت المحكمة إلى قبول الاستئناف شكلًا وموضوعًا، ونقض الحكم الابتدائي، والحكم برفض الدعوى وإخلاء سبيل المدعى عليهم من جميع المطالبات.
وفي قراءة لأبعاد هذا الحكم، أوضحت مصادر قانونية أنه يعكس توجهًا قضائيًا واضحًا نحو التشدد في إثبات المسؤولية الطبية.
فلم يعد القضاء يكتفي بالنتائج السلبية للعلاج أو الوفاة كدليل كافٍ على الخطأ، بل بات يشترط وجود دليل فني قاطع يثبت وقوع تقصير مهني مباشر، مما يمنع الاجتهادات العاطفية في هذا النوع المعقد من القضايا.
ومن جهته، أكد المحامي عبدالعزيز الظفيري أن قضايا الأخطاء الطبية شهدت تحولًا جذريًا خلال السنوات الأخيرة، منتقلة من بيئة يغلب عليها التعقيد وصعوبة الإثبات إلى منظومة أكثر نضجًا ودقة.
وأوضح الظفيري، في تصريحاته إلى الوئام، أن إثبات الخطأ في السابق كان يعتمد بشكل كبير على التقدير العام، في ظل محدودية التوثيق الطبي وضعف الربط بين الوقائع والمعايير الفنية، مما كان يضع المريض أمام تحديات كبرى ويجعل سلوك الممارس الصحي محل جدل واسع.
وبيّن الظفيري أن الواقع الحالي اختلف بشكل ملحوظ بفضل تطور التوثيق الطبي، وتزايد الاعتماد على التقارير الفنية والخبرات المتخصصة.
وقد ترافق ذلك مع توجه الأنظمة القضائية الحديثة نحو الاستعانة بالخبراء والاعتماد على الرقمنة، مما أسهم في رفع دقة التكييف القانوني للحالات وتسريع مسار التقاضي الذي كان يتسم بالبطء والتعقيد في ظل غياب البنية المؤسسية في الماضي.
وختم الظفيري بالإشارة إلى أن هذا التطور يشمل توسيع نطاق النظر في القضايا عبر إنشاء دوائر متخصصة وتفعيل المنصات العدلية الرقمية.
وهو تحول يعكس انتقال قضايا الأخطاء الطبية إلى بيئة أكثر تنظيمًا وعدالة، تحقق توازنًا حقيقيًا يحمي حقوق المرضى من جهة، ويضمن العدالة للممارسين الصحيين من جهة أخرى، بعيدًا عن الاتهامات المرسلة.

