خلف الأبواب المغلقة في مستشفى الملك عبدالله التخصصي للأطفال بالرياض، يدور الآن سباق دقيق مع الزمن، حيث تتجه أنظار 35 خبيرًا طبيًا نحو جسدين صغيرين يشتركان في مصير واحد.
يخضع التوأم التنزاني «نانسي ونايس» لجراحة نادرة ومصيرية تستغرق 16 ساعة متواصلة، وتتطلب دقة متناهية لفك ارتباط بيولوجي شديد التعقيد يطال أعضاء حيوية حساسة.
تتجاوز هذه الجراحة كونها تدخلًا طبيًا اعتياديًا؛ لتصبح تحديًا علميًا يختبر قدرة المشرط البشري على منح حياة مستقلة لطفلتين، وتسجل في الوقت نفسه الرقم 71 في مسيرة التدخلات الجراحية السعودية العابرة للقارات لإنقاذ التوائم الملتصقة.
بين الطب والإنسانية
قصة التوأم التنزاني «نانسي ونايس» انطلقت مبكراً قبل الدخول إلى غرفة العمليات في الرياض، وتحديدًا عند وصولهما إلى المملكة في 27 يناير 2026 رفقة ذويهما، للانتقال فورًا إلى مستشفى الملك عبدالله التخصصي للأطفال لدراسة حالتهما تفصيليًا.
وبعد أشهر من الفحوص والاجتماعات الطبية، باشر الفريق الطبي والجراحي التابع للبرنامج السعودي للتوائم الملتصقة صباح الخميس عملية الفصل داخل مدينة الملك عبدالعزيز الطبية بوزارة الحرس الوطني في الرياض.
تطورت الحالة خلال فترة التحضير من نداء إنساني عابر للحدود إلى ملف طبي معقد يستدعي قراراً جراحياً عالي الحساسية.
خريطة الالتصاق
البيانات الطبية المعلنة تشير إلى أن التوأم، البالغتين من العمر سنة وستة أشهر، ملتصقتان في أسفل الصدر والبطن والحوض، ولكل واحدة منهما طرف سفلي واحد، مع وجود طرف ثالث مشوه.
ويمتد التعقيد الطبي إلى ما هو أعمق من الالتصاق الخارجي، إذ أوضح الفريق الطبي أن «نانسي ونايس» تشتركان في الكبد والأمعاء الغليظة وفتحة الشرج والجهاز البولي والتناسلي، مع وجود تشوه في الجهاز التناسلي الخارجي المشترك.
هذه التفاصيل تشرح سبب التعامل مع الحالة بوصفها جراحة متعددة المراحل يصعب اختزالها في تدخل واحد سريع.
عشر مراحل
بناءً على التقييم السريري، خُطط للعملية على عشر مراحل جراحية متتالية، تستغرق في مجملها نحو 16 ساعة، بمشاركة 35 من الاستشاريين والأخصائيين والكوادر التمريضية والفنية من تخصصات متعددة، بينها التخدير وجراحة الأطفال.
وأعلن الدكتور عبدالله الربيعة أن نسبة نجاح العملية تزيد على 60 بالمئة، وهو التقدير المُقدَّم مع بدء الجراحة ضمن الشرح الطبي الرسمي للحالة.
وخلال سير العملية، ذكرت صحيفة «المواطن» أن الفريق دخل المرحلة السادسة بعد ظهر الخميس، في إشارة إلى مضي الخطة الجراحية وفق مسارها المرسوم.
ما وراء غرفة العمليات
تكتسب هذه العملية أهمية مضاعفة تتجاوز ندرتها الطبية لتشمل موقعها البارز داخل سجل البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة، حيث تُعد العملية رقم 71 ضمن البرنامج، الذي رعى 157 توأمًا من 28 دولة في 5 قارات.
وتُسجل هذه الحالة بوصفها الثالثة القادمة من تنزانيا، ما يضعها داخل مسار أوسع من الاستقبال الطبي المستمر للحالات المعقدة. والفاصل الزمني الممتد بين وصول التوأم في يناير وبدء العملية في مايو يكشف أن القرار الجراحي جاء نتاج تقييم دقيق واجتماعات تخصصية مستفيضة لتحديد فرص الفصل ومخاطره.

