تمتعت مدينة أوشوايا الأرجنتينية، الواقعة في أقصى جنوب الكوكب، بسمعة تاريخية بوصفها «نهاية العالم» والبوابة الساحرة لاستكشاف القارة القطبية الجنوبية.
لكن هذه السمعة الجذابة باتت مهددة اليوم بعد أن وجدت المدينة نفسها في قلب عاصفة وبائية، إثر تكهنات إعلامية وتسريبات رسمية تشير إلى احتمال كونها «البؤرة الصفر» لتفشي فيروس «هانتا» المميت على متن السفينة السياحية الهولندية «إم في هونديوس».
السفينة التي تخضع لعمليات إجلاء صارمة في إسبانيا، كانت قد انطلقت من ميناء المدينة في الأول من أبريل الماضي، وعلى متنها مئات الركاب من 22 دولة، وسط شكوك حول انتقال العدوى لأحد الركاب أثناء زيارته لمكب نفايات محلي يجذب الطيور والقوارض.
هذه الاتهامات أثارت حفيظة المسؤولين المحليين الذين سارعوا لبناء دفاع علمي وجغرافي متين لدفع الوصمة الوبائية عن مدينتهم.
وفي هذا السياق، أكد المدير العام لعلم الأوبئة في مقاطعة تييرا ديل فويغو، خوان فاكوندو بيترينا، خلو السجل التاريخي للمقاطعة من أي إصابات، قائلًا: «منذ عام 1996 لم نسجل حالة واحدة في المقاطعة».
وأوضح «بيترينا» أن المنطقة الموبوءة بالفيروس تبعد أكثر من 1500 كيلومتر شمالًا، مشددًا على غياب الظروف المناخية من حرارة ورطوبة، فضلًا عن عدم وجود السلالة الناقلة للمرض.
وأضاف لافتًا إلى المانع الجغرافي الأكبر: «نحن جزيرة، والقوارض ستواجه عقبة عبور مضيق ماجلان لكي تنقل العدوى للأنواع المحلية».
غير أن هذه التطمينات المحلية اصطدمت بشكوك فيدرالية وتحذيرات من تغير النظم البيئية.
فقد أعلنت الحكومة الوطنية الأرجنتينية إرسال فريق من الخبراء لفحص مكبات النفايات واصطياد الفئران للتحقق من وصول الفيروس إلى أقصى الجنوب.
يدعم هذا التوجه تصريحات عالم الأوبئة في مستشفى ريكاردو جوتيريز للأطفال في بوينس آيرس، إدواردو لوبيز، الذي اعتبر أن القضية تتطلب دراسة أعمق.
وقال «لوبيز»: «النظم البيئية تتغير، فعلى سبيل المثال، فأر الأرز القزم طويل الذيل الذي كان موطنه الأصلي جبال الأنديز الباتاغونية، بات يُرصد الآن في مقاطعة بوينس آيرس».
وفي خضم هذا التضارب العلمي، يسيطر القلق الاقتصادي على الشارع وميناء أوشوايا.
وتتركز التحقيقات حاليًا حول تتبع مسار زوجين هولنديين فارقا الحياة ويُعتقد أنهما «المريض الصفر».
وبينما استبعدت السلطات في تشيلي والأوروغواي التقاطهما للعدوى هناك بناءً على فترة الحضانة، رجّح «بيترينا» أن العدوى حدثت في الأرجنتين قبل أسبوعين إلى أربعة أسابيع من الصعود للسفينة، وتحديدًا في مناطق جبلية مثل «تشوبوت» أو «نيوكوين» أو «ريو نيغرو».
وحتى تنجلي الحقيقة، يواصل السياح التوافد على المدينة واثقين في غياب الإصابات المؤكدة، بينما يأمل المسؤولون ألا تنجح الشائعات في تدمير موسم سياحي شتوي تعول عليه المقاطعة بأكملها.
تُعد مقاطعة تييرا ديل فويغو (أرض النار) أحدث المقاطعات الأرجنتينية وأقلها كثافة سكانية، وتتسم بهشاشة اقتصادية تجعلها تعتمد بشكل مصيري على قطاع السياحة.
ويُمثل ميناء أوشوايا شريان الحياة الاقتصادي الأهم للمنطقة، حيث تنطلق منه أكثر من 95% من القوارب السياحية المتجهة نحو القارة القطبية الجنوبية، بمعدل يتجاوز 500 رحلة بحرية سنويًا.
هذا الاعتماد المفرط يفسر حالة الاستنفار المحلي لدفع أي شبهة وبائية، إذ أن أي أزمة ثقة قد تؤدي إلى انهيار اقتصادي شامل يضرب العصب الحيوي للمقاطعة.

