في خطوة قد تمثل تحولاً مهماً في مسار مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية، كشفت دراسة حديثة عن نتائج أولية واعدة لعلاج تجريبي يعتمد على حقنة واحدة من خلايا مناعية مُعدلة وراثياً، صُممت خصيصاً للتعرف على الفيروس ومهاجمة الخلايا المصابة به، مع قدرتها في الوقت نفسه على حماية نفسها من العدوى.
ورغم أن الدراسة ما تزال في مراحلها المبكرة، وعدد المشاركين فيها محدود، فإن باحثين اعتبروا النتائج من أكثر المؤشرات العلمية إثارة للاهتمام خلال السنوات الأخيرة في مساعي الوصول إلى ما يُعرف بـ“العلاج الوظيفي” لفيروس نقص المناعة البشرية، أي السيطرة طويلة الأمد على الفيروس دون الحاجة إلى تناول الأدوية بشكل يومي.
ومن المنتظر عرض نتائج الدراسة خلال مؤتمر متخصص في العلاج الجيني بمدينة بوسطن الأمريكية، حيث تعتمد التقنية الجديدة على مبدأ سبق أن أحدث تحولاً كبيراً في علاج بعض أنواع السرطان، لا سيما سرطانات الدم مثل اللوكيميا واللمفوما.
وتقوم الفكرة على استخراج خلايا مناعية من جسم المريض نفسه، ثم إعادة هندستها داخل المختبر بحيث تصبح قادرة على التعرف على هدف محدد، قبل إعادة حقنها في الجسم لتهاجم المرض بشكل مباشر.
ويحاول الباحثون حالياً توظيف هذه المقاربة ضد فيروس نقص المناعة البشرية، الذي يُعد من أكثر الفيروسات تعقيداً وصعوبة في الاستئصال الكامل من الجسم.
ورغم النجاح الكبير الذي حققته العلاجات المضادة للفيروسات القهقرية في السيطرة على الفيروس وتقليل الحمل الفيروسي إلى مستويات غير قابلة للكشف، فإنها لا تنجح في القضاء عليه نهائياً، إذ يستطيع الفيروس الاختباء داخل ما يُعرف بالمخازن الخلوية الكامنة في الأنسجة والخلايا، ليعاود النشاط سريعاً بمجرد توقف العلاج، وغالباً خلال أسبوعين فقط.
وفي التجربة الجديدة، قام العلماء باستخراج خلايا مناعية من المشاركين، ثم تعديلها وراثياً لتحتوي على مكونين قادرين على التعرف على فيروس نقص المناعة البشرية والخلايا المصابة به.
ويهدف هذا التصميم إلى تحقيق وظيفتين متزامنتين؛ الأولى مهاجمة الفيروس والخلايا الحاملة له، والثانية حماية الخلايا المناعية المعدلة نفسها من الإصابة بالعدوى، وهو ما يعتقد الباحثون أنه قد يشكل العنصر الحاسم الذي افتقدته المحاولات السابقة لتسخير جهاز المناعة ضد الفيروس.
وأظهرت النتائج الأولية مؤشرات لافتة، لكنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات والتجارب الموسعة. ووفق البيانات التي اطّلع عليها الباحثون ونقلتها صحيفة “نيويورك تايمز”، تمكن اثنان من المشاركين من الحفاظ على مستويات غير قابلة للكشف من الفيروس بعد تلقي العلاج، أحدهما لمدة 92 أسبوعاً، والآخر لمدة 48 أسبوعاً.
كما نجح مشارك ثالث في السيطرة الجزئية على الفيروس لمدة 12 أسبوعاً قبل أن يعود الحمل الفيروسي إلى الارتفاع مجدداً، وهو ما يعكس إمكانية وجود استجابة مناعية حقيقية للعلاج، وإن كانت النتائج لا تزال غير كافية للحديث عن علاج نهائي أو شامل حتى الآن.
ويؤكد الباحثون أن هذه النتائج تمثل “إثباتاً أولياً لإمكانية نجاح الفكرة لدى البشر”، لكنها لا تعني التوصل إلى علاج كامل لفيروس نقص المناعة البشرية، إذ لا تزال هناك تساؤلات كبيرة تتعلق بسلامة العلاج على المدى الطويل، وفعاليته لدى أعداد أكبر من المرضى، إضافة إلى تحديات التكلفة والإنتاج الواسع مستقبلاً.

