أحمد الفهيد
١
الهلال ليس ضيفًا على الذهب، إنه أحد عناوينه الكبرى، والصحيح أنه أكبر العناوين .. لذلك لا تُقاس مواسمه فقط بعدد البطولات التي حققها، وإنما بمقدار ابتعاده عن «صورته وسطوته التاريخية» التي يعرفها الناس.
٢
الهلالي الحقيقي لا يخاف من خسارة بطولة، ما يخيفه حقًا هو خسارة العقلية التي صنعت البطولات، فالكؤوس يمكن أن تعود، أما حين يتسلل «الاكتفاء» إلى روح فريق عظيم، تبدأ مرحلة «الانكفاء»، وهنا يحضر الخطر الحقيقي.
٣
موسمان متتاليان، وبطولة واحدة في كل موسم، «كأس السوبر» ثم «كأس الملك» .. حصيلة قد تبدو جيدة عند كثيرين، لكنها في الأزرق الكبير ليست سوى تذكير بالعجز، لأن سقف هذا النادي أعلى بكثير من مجرد إنقاذ الموسم بفرحة يتيمة.
٤
الفرق الصغيرة تحتفل بما تحققه، أما الفرق الكبيرة، فتحاسب نفسها على ما فاتها، و«الزعيم» لم يصبح أكثر أندية آسيا تتويجًا لأنه كان يرضى بالقليل، ولكن لأن القمة كانت دائمًا هي عرشه، ومستقر فخامته.
٥
11 لقبًا خلال 4 مواسم، لم تكن صدفة، بل انعكاس لهوية متجذرة، هوية تقول إن «الملكي» لا يدخل الموسم ليكون منافسًا، إنما يدخله وهو يحمل عبء التوقعات، وثقل التاريخ، ومسؤولية الانتصار.
٦
لهذا تبدو الجماهير الهلالية أكثر قسوة من غيرها، ليست قسوة غضب، وإنما قسوة معرفة، لأنها تعرف شكل الهلال الحقيقي، وتدرك الفرق بين فريق ينتصر لأنه قوي، وفريق ينتصر لأنه الهلال (الذهب، والهيمنة، والحضور التاريخي في العالم كله)، وتدرك أن هذا النادي العظيم لم يصنع تاريخه بالبطولات وحدها، وإنما صنع قناعة استقرت في أذهان الجميع، أنه حين يكون في حالته الطبيعية، تكون البطولات هي النتيجة المتوقعة، أما إذا خسر، وهذا استثناء، فالبحث يكون عن سبب هزيمته، لا عن سبب فوز غيره.
والهلاليون عبر عقود طويلة لم يعتادوا رؤية ناديهم بطلاً فحسب، لقد اعتادوا النظر إليه باعتباره العقبة الكبرى أمام البطولات، حتى أصبح فوز الآخرين يفسر غالبًا بتراجع الهلال، أكثر مما يفسر بتفوقهم هم.
٧
الجماهير لا تطالب بالمستحيل، هي فقط تطلب أن ترى فريقها بالحجم الذي صنعه بنفسه عبر عقود ذهبت، فالأندية بتاريخها، و«زعيم آسيا وسيدها» كتب لنفسه تاريخًا لا يسمح له بالاختباء خلف الأعذار والتبريرات.
٨
وحين يكتب صاحب السمو الملكي الأمير الوليد بن طلال (وهو الآن بالمناسبة أبو الهلال)، عبارة: «الهدوء ما قبل العاصفة»، وينشرها على ملأ، وتسافر بها نقرات الأصابع إلى أصقاع الدنيا، مترجمة إلى كل اللغات الناطقة على وجه الأرض، فهو لا يتحدث بلسان المشجع العابر، وإنما بلسان رجل خبر معنى البناء الطويل والانتصار المستدام، وأحد أبرز أسرار نجاحه في عالم الأعمال والاستثمار أنه لا يكتفي بقراءة الحاضر، بل يمتلك قدرة نادرة على استشراف ما سيأتي بعده، ينظر إلى المشهد من أعلى، يرى ما لا يراه الآخرون، ويتعامل مع اللحظة باعتبارها جزءًا من مسار أكبر لا مجرد حدث منفصل.
٩
لذلك فإن العبارة العابرة في أرجاء الدنيا، لم تُستقبل عند الهلاليين كجملة عاطفية، وإنما كإشارة تحمل ثقل رجل اعتاد أن يسبق الآخرين بخطوة، وأن يدرك أن الكيانات الكبرى لا تُقاس بما تمر به من عثرات مؤقتة، ولكن بما تملكه من قدرة على العودة أقوى مما كانت عليه، استقبلها الهلاليون كوعدٍ قاطع بالتصحيح، وعهدٍ لا يُنقض بـ «الثلاثية، المحلية والقارية».
١٠
العاصفة المطلوبة ليست ضجيجًا إعلاميًا، ولا قرارات انفعالية، العاصفة الحقيقية هي تلك التي تقتلع أسباب التراجع من جذورها، وتعيد بناء التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق بين البطل وغيره.
١١
الأندية العظيمة لا تنهار بسبب خسارة مباراة أو بطولة، تنهار حين تفقد قدرتها على مراجعة أدائها، وفحص أخطائها، والهلال عبر تاريخه الطويل لم يكن عظيمًا، لأنه لا يسقط، ولكن لأنه يعرف كيف ينهض أسرع وأقوى من الجميع.
١٢
هذا العملاق التاريخي لا يحتاج إلى دروس في الانتصار، لقد حفظ طريق الذهب أكثر مما حفظه أي منافس آخر، كل ما يحتاجه هو أن يتذكر جيدًا من يكون، تلك الشخصية التي كانت تدخل كل بطولة بعينين لا تريان سوى المركز الأول، ويدان لا تعرفان حمل شيء غير كأس البطولة.
١٣
الهلال حين يكون الهلال، لا يطارد بطولة واحدة، إنه يطارد الموسم بأكمله .. الدوري، وآسيا، وكأس الملك، ليست أحلامًا مبالغًا فيها، بل معايير فرضها التاريخ، ورسخها الواقع، وألِفتها الجماهير.
١٤
لذلك فإن ما ينتظره الهلاليون ليس موسمًا جديدًا ممتعًا فقط، بل استعادة كاملة لفكرة الهلال نفسها، الفكرة التي تقول إن الأزرق لا يمر على البطولات مرور العابرين، وإنما يدخل إليها كما يدخل أصحاب الدار إلى أملاكهم.
١٥
وعندما يعود «الأزرق العالمي» إلى صورته الحقيقية، سيكتشف الجميع مجددا أن هناك أندية تلعب كرة القدم، وهناك الهلال، الذي يصنع من الانتصار عادة، ومن الذهب لغة، ومن المجد قدرًا أبديًا وخالدًا.
١٦
كان الوليد مع الهلال دائمًا، روحٌ يحيا بها، كان جزءًا من الحكاية، لكنه اليوم اصبح هو الحكاية نفسها.
اليوم لا شيء تبدّل في جوهر العلاقة، ولا شيء غادر مكانه الحقيقي .. نعم، أصبح مالكًا لأكبر الأندية السعودية، لكن الحقيقة الأعمق أن قلبه كان يملك الهلال قبل أن يمتلك أسهمه.
لم يتغير الحب، لكن تغيرت المعادلة، فالقلب الذي كان ينبض بحب الأزرق، أصبح يملك قدرة التأثير فيه.
الحب وحده كان يكفي بالأمس، أما اليوم فهناك الحب والقدرة معًا.
لهذا تبدو علاقة الوليد بالهلال اليوم أكثر اكتمالًا من أي وقت مضى، كعلاقة الضوء بالشمس، والروح بالجسد، والوردة برائحتها، والنهر بمجراه، أشياء لا تبحث عن بعضها لأنها لم تفترق أصلًا.
هل حدث ما يستحق الالتفات؟!.. نعم، لقد انتقلت القصة من مرحلة العاطفة إلى مرحلة العاصفة! ومن يعرف الهلال جيدًا، يدرك أن أخطر العواصف ليست تلك التي يُسمع هديرها وزمجرتها، وإنما تلك التي تتشكل بصمت.
لذلك، نعم، نعم .. العاصفة قادمة.

