تحركت أسعار الذهب والنفط في اتجاهين متعاكسين خلال تعاملات الثلاثاء، مع تفاعل الأسواق مع عودة وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران، وسط استمرار حالة الترقب بشأن مستقبل الهدنة الهشة وتداعياتها على أسواق الطاقة والتضخم العالمي. وفي الوقت نفسه، يواصل المستثمرون متابعة المؤشرات الاقتصادية الأمريكية بحثًا عن إشارات جديدة حول مسار السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.
واستفاد الذهب من تراجع أسعار النفط وانخفاض حدة التوترات الجيوسياسية بصورة مؤقتة، ليحقق مكاسب بعد جلسة شهدت هبوطه إلى أدنى مستوياته في أكثر من شهرين، بينما تعرض النفط لضغوط بيعية أفقدته معظم المكاسب التي سجلها في الجلسة السابقة.
وارتفع الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.4% ليصل إلى 4345.71 دولارًا للأونصة بحلول الساعة 06:02 بتوقيت غرينتش، فيما صعدت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم أغسطس بنسبة 0.2% إلى 4370.80 دولار للأونصة، وفقًا لوكالة “رويترز”.
وقال كبير محللي الأسواق لدى “كيه.سي.إم تريد” تيم واترر إن الانحسار المحدود للتوترات بين إسرائيل وإيران ساهم في تهدئة أسعار النفط، وهو ما وفر دعمًا إضافيًا لأسعار الذهب خلال التعاملات.
الأسواق تراقب التضخم والفائدة الأمريكية
إلى جانب التطورات الجيوسياسية، يركز المستثمرون على البيانات الاقتصادية الأمريكية المرتقبة، وفي مقدمتها مؤشر أسعار المستهلكين لشهر مايو المقرر صدوره الأربعاء، لما يحمله من مؤشرات مهمة بشأن اتجاهات التضخم ومستقبل أسعار الفائدة في الولايات المتحدة.
وتشير بيانات أداة “فيد ووتش” التابعة لمجموعة “سي.إم.إي” إلى أن المتعاملين باتوا يتوقعون احتمالًا يتجاوز 70% لقيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة بحلول ديسمبر المقبل، وهو ما يضيف عنصرًا جديدًا من الضغوط على الأسواق.
وتكتسب هذه التوقعات أهمية خاصة بالنسبة للذهب، الذي يُنظر إليه تقليديًا كأداة للتحوط ضد التضخم، إلا أن ارتفاع أسعار الفائدة يقلل من جاذبيته الاستثمارية نظرًا لكونه أصلًا لا يدر عائدًا.
وفي هذا السياق، توقع بنك غولدمان ساكس أن يُبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير خلال عام 2026، مع تأجيل أي خفض محتمل للفائدة إلى عام 2027، مستندًا في ذلك إلى استمرار قوة النشاط الاقتصادي الأمريكي ونمو سوق العمل.
أما المعادن النفيسة الأخرى، فقد سجلت هي أيضًا مكاسب خلال التعاملات، إذ ارتفعت الفضة بنسبة 0.4% إلى 68.45 دولارًا للأونصة، وصعد البلاتين بنسبة 0.3% إلى 1759.74 دولارًا، فيما قفز البلاديوم بنسبة 1.5% ليصل إلى 1233.44 دولارًا للأونصة.
النفط يفقد معظم مكاسبه مع عودة الهدنة
في سوق الطاقة، تراجعت أسعار النفط لتبدد الجزء الأكبر من المكاسب التي حققتها في الجلسة السابقة، بعدما هدأت المخاوف المرتبطة بإمدادات النفط عقب إعلان إيران وإسرائيل وقف تبادل الهجمات.
وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 91 سنتًا، أو ما يعادل 1%، لتسجل 93.34 دولارًا للبرميل بحلول الساعة 04:00 بتوقيت غرينتش، بينما هبطت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 1.13 دولار، أو 1.2%، إلى 90.17 دولارًا للبرميل.
وكانت أسعار النفط قد ارتفعت بما يصل إلى 5% خلال الجلسة السابقة، بعدما أثار تجدد الضربات الإسرائيلية على إيران والهجمات في لبنان مخاوف من اتساع نطاق الحرب، إلا أن الأسواق عادت لتقليص تلك المكاسب عقب إعلان القوات المسلحة الإيرانية انتهاء العمليات العسكرية ضد إسرائيل.
وأوضح تيم واترر أن المستثمرين يشعرون ببعض الارتياح نتيجة توقف الضربات المباشرة، إلا أن الأسواق لا تزال متشككة بشأن قدرة الهدنة الحالية على الصمود لفترة طويلة.
هدنة هشة ومخاوف من عودة التصعيد
وجاء إعلان وقف تبادل الهجمات بين إيران وإسرائيل بعد مناشدة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، غير أن مؤشرات الحذر ما زالت تسيطر على المشهد، خاصة في ظل التصريحات الإيرانية التي ربطت استمرار الهدنة بوقف إسرائيل عملياتها ضد حزب الله في لبنان.
وأكدت طهران أنها ستستأنف الأعمال القتالية إذا واصلت إسرائيل استهداف الحزب، وهو ما يعزز المخاوف من إمكانية عودة التصعيد العسكري في أي وقت، الأمر الذي يبقي الأسواق العالمية في حالة ترقب مستمرة.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو تحركات الذهب والنفط مرتبطة بشكل وثيق بمسارين متوازيين؛ الأول يتعلق بمستقبل التهدئة في الشرق الأوسط، والثاني بمسار التضخم والسياسة النقدية الأمريكية، وهما عاملان سيحددان اتجاه الأسواق العالمية خلال الفترة المقبلة.

