في خطوة تتجاوز مجرد الحضور البروتوكولي أو العضوية الشرفية، حجزت المملكة مقعدًا متقدمًا في غرف الإدارة الدولية التي ترسم مستقبل الأنشطة الفضائية، وذلك بعد فوزها بالإجماع بمنصب النائب الأول لرئيس لجنة الأمم المتحدة لاستخدام الفضاء الخارجي في الأغراض السلمية «COPUOS».
جاء هذا القرار خلال اجتماعات اللجنة في العاصمة النمساوية فيينا، لينقل الرياض إلى قلب المنصات التي تُصاغ فيها التوجهات والقواعد المنظمة للفضاء عالميًا، في وقت يشهد فيه القطاع طفرة تجارية وسياسية واستكشافية لم يسبق لها مثيل. وهو فوز يُمثل شهادة ثقة من المجتمع الدولي في قدرة الرياض على المساهمة الفعّالة في إرساء بيئة فضائية آمنة ومستدامة.
داخل غرفة القيادة الأممية
تعتبر لجنة استخدام الفضاء الخارجي في الأغراض السلمية المنصة الأولى والأهم في منظومة الأمم المتحدة لمناقشة كل التطورات والقضايا الخاصة بالفضاء.
وبحسب وثائق مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي (UNOOSA)، فإن إدارة أعمال هذه اللجنة تخضع لمكتب قيادي يتألف من 5 مناصب عليا: الرئيس، والنائب الأول للرئيس، والنائب الثاني، إلى جانب رئيسين للجنتين الفرعيتين (العلمية والتقنية، والقانونية).
ووجود السعودية في منصب النائب الأول يضعها في موقع مؤثر ومباشر؛ إذ تشمل مهام هذا الموقع تيسير التوافق بين الدول الأعضاء، وإدارة الجلسات والنقاشات المحورية، وتوجيه مسار السياسات التي سيتم تبنيها على نطاق عالمي، ما يعني أن الرياض لم تعد فقط تشارك في النقاشات، وإنما أصبحت مسؤولة عن إدارتها وضمان انسيابيتها بين التكتلات الدولية المختلفة.
ومن المقرر أن يتولى المهندس مريح الشهراني، المدير العام لأنظمة الفضاء والبنية التحتية في وكالة الفضاء السعودية، تمثيل المملكة في هذا الموقع.
ويعكس هذا الاختيار توجه المملكة الواضح نحو الاعتماد على كوادرها الوطنية الشابة والمتخصصة، لإدماج خبراتهم بشكل مباشر في قلب المنصات الدولية وصناعة القرار الفضائي.
من المراقبة إلى التشريع
لم يعد الفضاء الخارجي مقتصرًا على الاستكشاف العلمي البحت كما كان الحال في عقود الحرب الباردة، بل تقاطع بشكل جذري مع ملفات الأمن القومي، والتنظيم الدولي، والتطبيقات الاقتصادية والتجارية المعقدة، مثل الأقمار الصناعية الخاصة بالاتصالات والمراقبة والملاحة.
وفي هذا السياق، يعني تولي منصب النائب الأول انخراطًا سعوديًا مباشرًا في وضع الأطر القانونية والتنظيمية لهذه الأنشطة.
ويشير ذلك إلى تحول المملكة إلى مساهم دولي موثوق، يشارك في هندسة التشريعات الأممية بدلًا من الاكتفاء بالمشاركة في المؤتمرات العامة، ليكمل هذا الدور جهود المملكة واسعة النطاق في بناء قدرات وطنية مستقلة في مجالات المراقبة الفضائية وتقييم المخاطر.
(SSA) مكافحة الحطام الفضائي
كذلك، لا يمكن فصل هذا الفوز الدبلوماسي عن التحركات التقنية الاستراتيجية التي تقودها الرياض مؤخرًا؛ فالمهندس مريح الشهراني، الذي يمثل المملكة في اللجنة، لعب دورًا بارزًا في تأسيس المسار الوطني لاستدامة الفضاء، خصوصًا من خلال تطوير القدرات الوطنية في مجال التوعية بالظرف الفضائي (Space Situational Awareness – SSA).
ويُعد (SSA) اليوم من أهم ركائز الأمن الفضائي، إذ يشمل مراقبة وتتبع وتوقع مسارات الأجسام الطبيعية والصناعية في مدار الأرض لتجنب الاصطدامات بين الأقمار الصناعية.
وقد عززت وكالة الفضاء السعودية هذا التوجه عبر توقيع اتفاقيات لإنشاء مركز امتياز في هذا المجال، ليصبح نقطة انطلاق لتعزيز أمن الفضاء في منطقة الشرق الأوسط.
كما برزت جهود المملكة الدولية من خلال إطلاقها مسابقة «DebriSolver» العالمية بالشراكة مع شركات فضائية كبرى.
وتهدف المسابقة، التي جذبت أكثر من 2000 مشارك من 40 دولة، إلى تحفيز العقول حول العالم لتقديم حلول مبتكرة وتقنية لمشكلة إدارة الحطام الفضائي والتنبؤ به. هذه الخطوات العملية تمنح الصوت السعودي في لجنة COPUOS مصداقية استثنائية مدعومة بتطبيقات فعلية على أرض الواقع.
المنصة الأهم لصياغة اللغة المشتركة
تأسست لجنة «COPUOS» في عام 1959 بقرار تاريخي من الجمعية العامة للأمم المتحدة، لتكون المنصة الأممية الأساسية لمراجعة التعاون الدولي، وتشجيع البحث العلمي، ودراسة القضايا القانونية الناشئة عن استكشاف الفضاء.
وتعمل اللجنة، التي توسعت لتضم في عضويتها نحو 110 دول، عبر مسارين رئيسيين؛ أحدهما علمي وتقني ينظر في تكنولوجيا الفضاء وإدارة الحطام الفضائي، والآخر قانوني يُعنى بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية.
وتوفر هاتان اللجنتان الفرعيتان مساحة حيوية للدول لصياغة لغة دولية مشتركة تضمن بقاء الفضاء الخارجي خاليًا من التسلح، واستخدامه بطريقة سلمية ومستدامة للأجيال القادمة.
وفي ظل التزايد السريع لعدد الدول والشركات الخاصة التي تطلق أقمارًا صناعية، باتت الحاجة ملحة لقواعد حوكمة صارمة تمنع الفوضى أو النزاعات في المدارات المنخفضة للأرض.
ما الذي يعنيه ذلك للمستقبل؟
مع اتساع التنافس الدولي في قطاع الفضاء ليصبح سباقًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا محمومًا، يكتسب الوجود في الهياكل الإدارية العليا في لجنة COPUOS وزنًا سياسيًا وتنظيميًا يعيد تعريف الموقع الدولي للدولة.
ويجعل هذا المنصب القيادي من المملكة العربية السعودية رقمًا رئيسيًا في معادلة حوكمة الفضاء المستقبلية. وهو حضور مزدوج – على الصعيد الدبلوماسي عبر الأمم المتحدة، وعلى الصعيد التقني عبر برامج الـ SSA ومسابقات إدارة الحطام الفضائي – بما يضمن أن سياسات الاقتصاد الفضائي الصاعدة لن تُكتب في غياب الصوت السعودي، بل ستكون الرياض من المساهمين الأساسيين في صياغتها وإدارتها.

