د.محمد العرب
رئيس مركز العرب للرصد والتحليل
ليست كل العداوات وليدة صراع المصالح، ولا كل الخصومات بنت خلافات حقيقية وواقعية، أحياناً يكون النجاح نفسه جريمة في نظر بعض الناس. جريمة لا لأن فيها ظلماً أو عدواناً، بل لأنها تكشف فجأة الفارق بين من يعمل ومن يراقب، بين من يبني ومن يعلق، بين من يحوّل الأحلام إلى مشاريع ومن يحوّل الإخفاقات إلى أعذار.
في علم النفس، لا يثير الفشل الكثير من المشاعر المعقدة. الناس تتعاطف مع الفاشل أو تتجاهله، لكنها نادراً ما تنشغل به. النجاح هو الذي يوقظ المشاعر الدفينة. النجاح يضع المرآة أمام الجميع. ولذلك فإن بعض أشكال العداء للدول الناجحة لا تنبع من تحليل سياسي ولا من نقد موضوعي، بل من أزمة نفسية أعمق تتمثل في الشعور بالحرمان النسبي، ذلك الإحساس المؤلم الذي يجعل الإنسان يقارن نفسه بالآخرين فيشعر أن الآخرين تقدموا بينما بقي هو في مكانه.
وحين تصبح المقارنة مؤلمة أكثر من اللازم، يبدأ العقل في البحث عن وسائل دفاعية عدوانية ، هنا يظهر التنافر المعرفي؛ ذلك الصراع الداخلي بين ما يراه الإنسان بعينيه وبين ما يريد أن يصدقه. فإذا كان مقتنعاً لسنوات بأن دولة ما لن تنجح، ثم رأى مشاريعها تتوسع، واقتصادها ينمو، ومدنها تتغير، وحضورها الدولي يتصاعد، يصبح أمام خيارين: إما مراجعة قناعاته القديمة، وإما مهاجمة النجاح نفسه. وكثيرون يختارون الطريق الأسهل.
من هنا يمكن فهم جانب من الهجوم الانفعالي الذي يرافق دوماً نجاحات السعودية. فالمسألة عند بعض المنتقدين لا تتعلق بمشروع هنا أو قرار هناك، بل تتعلق بصدمة نفسية سببها تحطم صورة قديمة استقرت في أذهانهم المؤدلجة لعقود. كانوا يتمنون الجمود فإذا بهم يرون الحركة. كانوا ينتظرون التراجع فإذا بهم يشاهدون التوسع. كانوا يراهنون على التعثر فإذا بهم أمام إنجازات متلاحقة. وهنا يبدأ الألم.
الفيلسوف الألماني نيتشه رأى أن بعض أشكال الأخلاق والسلوك الإنساني تنبع من الحسد المقنع. الإنسان العاجز عن بلوغ القمة يحاول أحياناً إقناع نفسه بأن القمة لا قيمة لها أصلاً. وبدلاً من الاعتراف بتميز الآخرين يبدأ في اختراع المبررات التي تسمح له بالاستمرار في رفضهم. إنها محاولة لحماية الذات من الشعور بالنقص.
وهذا ما يجعل بعض الخطابات المعادية للنجاح متشابهة بصورة لافتة. فهي نادراً ما تعترف بأي إنجاز. وإذا اعترفت به قللت من شأنه. وإذا عجزت عن التقليل منه شككت في دوافعه. وإذا فشلت في التشكيك اتجهت إلى مهاجمة أصحابه. إنها سلسلة من الآليات النفسية التي تهدف إلى هدف واحد: منع الاعتراف بالحقيقة.
هناك أيضاً ما يسميه علماء الاجتماع «الحسد الجماعي» وهو شعور قد يصيب بلدان كاملة عندما ترى بلد أخر يحقق تقدماً ملحوظاً. في هذه الحالة لا يصبح النجاح خبراً عادياً، بل يتحول إلى مصدر إزعاج دائم. وكل إنجاز جديد يبدو وكأنه تذكير مؤلم بما لم يتحقق لديهم. لذلك لا يقرؤون النجاح باعتباره نجاحاً، بل باعتباره تهديداً نفسياً لهوياتهم وصورهم الذهنية.
ولعل أخطر ما في هذه الحالة أنها تسجن أصحابها داخل دائرة مغلقة. فبدلاً من دراسة أسباب النجاح والاستفادة منها، ينشغلون بمهاجمتها. وبدلاً من البحث عن حلول لمشكلاتهم، يقضون وقتهم في تفسير إنجازات الآخرين باعتبارها مصادفات أو مؤامرات أو دعايات. وهكذا يتحول الحسد من شعور عابر إلى عائق حضاري كامل.
إن الدول لا تُبنى بالتصفيق، كما أنها لا تسقط بالكراهية. والتاريخ لا يكافئ الأمنيات ولا يلتفت إلى الضغائن. ما يبقى في النهاية هو العمل والإنجاز والقدرة على تحويل الرؤية إلى واقع. أما الضجيج الذي يصاحب نجاح الآخرين فغالباً ما يذوب مع الزمن، لأنه قائم على رد فعل لا على فعل، وعلى الانفعال لا على الإنتاج.
ولهذا فإن أكثر ما يزعج بعض خصوم النجاح ليس المشروع نفسه، بل الرسالة التي يحملها. فالنجاح يقول للناس إن التغيير ممكن، وإن الإرادة تصنع فرقاً، وإن المستقبل لا يُنتظر بل يُصنع. وهذه الرسالة تكون قاسية جداً على من اعتادوا تبرير الإخفاق أكثر من محاولة تجاوزه.
في النهاية، ليست المشكلة في أن دولة تنجح، بل في أن بعض العقول ترى نجاح الآخرين دليل لفشلها. وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، يصبح النجاح في نظره استفزازاً، ويصبح الإنجاز تهمة، وتصبح الحقيقة نفسها عدواً. عندها لا يعود الصراع مع دولة أو مشروع، بل مع مرآة تكشف ما كان يظنه مخفياً!.
لذا أخي المسلم احرص على ان تكون جزء من سفينة السعودية العظمى بالقول والفعل ، عزها عز للإسلام والمسلمين ولا يعاديها إلا مارق حاقد مختل يعيش داء العظمة بغير مؤهلات.

