تشهد النسخة الحالية من كأس العالم ظاهرة استثنائية أثارت جدلًا واسعًا بين الجماهير والنجوم على حد سواء؛ حيث تحولت مباريات كرة القدم فعليًا إلى أربعة أشواط، بعد أن قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) تخصيص ثلاث دقائق كـ «استراحة لشرب المياه» في منتصف كل شوط، بغض النظر عن حالة الطقس، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات شائكة: هل الهدف حقًا هو سلامة اللاعبين كما يُعلن رسميًا، أم أن وراء الأكمة ما وراءها من عوائد إعلانية ضخمة؟
غضب النجوم.. وانتقادات لاذعة
لم يمر هذا التغيير مرور الكرام على أبطال اللعبة المستطيل الأخضر، كما يذكر تقرير حديث لمنصة «ذا أثلتيك»؛ فقد أبدى قائد المنتخب الهولندي، فيرجيل فان دايك، امتعاضه بعد مباراة فريقه أمام اليابان، مشيرًا إلى أن قطع البث للذهاب إلى إعلانات تجارية أمر غير مريح للمشاهد المحايد، مؤكدًا أن تطبيق الاستراحة يجب أن يقتصر على الأجواء شديدة الحرارة فقط.
وتوافق معه ماوريسيو بوتشيتينو، المدير الفني للمنتخب الأمريكي، الذي صرح بوضوح بأنه لا يحبذ هذه الاستراحات إلا في الظروف المناخية القاسية.
وفي السياق ذاته، شنّ القائد السابق لنادي وست هام، نايجل ريو كوكر، هجومًا لاذعًا معتبرًا أن الأمر برمته يتعلق بجني الأموال والإعلانات، وأن هذه التوقفات تقتل إيقاع المباريات وتدفقها.
قاتلة الزخم ومتعة اللعب
ولعل أبرز دليل على تأثير هذه الاستراحات على «زخم» المباريات، وفق ما يذكره تقرير «ذا أثلتيك»، ما حدث في مواجهة كوراساو وألمانيا؛ فبعد أن نجح الوافد الجديد (كوراساو) في إدراك التعادل قبل استراحة المياه في الشوط الأول، تغير كل شيء بمجرد استئناف اللعب؛ حيث استعادت الماكينات الألمانية إيقاعها لتسحق خصمها بنتيجة 7-1.
كيف استغلت القنوات هذا التوقف؟
وبعيدًا عن المستطيل الأخضر، تحولت هذه الدقائق الثلاث إلى «منجم ذهب» لشبكات البث العالمية.
خبير التسويق الرياضي، ميشا شير، يرى أن هذه الاستراحات حلت معضلة تاريخية لكرة القدم مقارنة برياضات مثل كرة السلة الأمريكية (NBA) وكرة القدم الأمريكية (NFL) التي تتميز بتوقفات طبيعية عديدة. والآن، أصبح لدى المعلنين نافذتين ذهبيتين جديدتين والجماهير متسمرة أمام الشاشات.
الأرقام تؤكد ذلك، فبحسب صحيفة «وول ستريت جورنال»، تبلغ تكلفة الإعلان لمدة 30 ثانية في مباريات المونديال الأولى نحو 200 ألف دولار أمريكي، وتقفز لتصل إلى 750 ألف دولار عندما يلعب المنتخب الأمريكي.
وقد تباينت استراتيجيات القنوات الناقلة حول العالم في التعامل مع هذا الكنز الإعلاني؛ ففي جانب الشبكات المستفيدة تجاريًا، استغلت شبكة (Fox Sports) في أمريكا هذه الدقائق لبث إعلانات رعاة الفيفا مثل «باوريد» و«لينوفو»، وهو ما فعلته أيضًا شبكات (Vix) و(TUDN) في المكسيك، و(TSN) في كندا، بالإضافة إلى شبكات أوروبية كبرى مثل (DAZN) و(TVE) في إسبانيا، و(RAI) في إيطاليا، و(beIN Sports) في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
بل إن شبكة (SBS) الأسترالية أطلقت على هذا التوقف اسم «استراحة ماكاس» برعاية مطاعم ماكدونالدز.
وفي المقابل، برزت الشبكات الممتنعة التي التزمت بعدم بث إعلانات خلال توقف المياه، مثل شبكة (Telemundo) الناطقة بالإسبانية في أمريكا، وشبكة (Globo) في البرازيل.
بينما ظهر استغلال تكتيكي مبتكر في بريطانيا، وبسبب القيود الصارمة على الإعلانات، امتنعت شبكة (ITV) عن بث الفواصل التجارية، واستغلت الدقائق بشكل مذهل عبر تقديم تحليل تكتيكي سريع وعميق استغرق 70 ثانية فقط بصوت إيما هايز، مدربة المنتخب الأمريكي للسيدات.
هل أصبحت واقعًا مفروضًا؟
ورغم الانتقادات، يبدو أن هذه الاستراحات جاءت لتبقى؛ فالمدافع الأمريكي السابق والمحلل الحالي، أليكسي لالاس، يرى أنها مكسب للجميع (اللاعبين والمعلنين)، داعيًا للتأقلم معها تمامًا كما تأقلمت اللعبة مع تقنية (VAR) والتبديلات، ومبشرًا بجيل جديد سيعتاد على أن كرة القدم تلعب في «أرباع» بدلًا من شوطين.
وهو ما يؤكده باولو بيسكاتوري، محلل وسائل الإعلام، مشيرًا إلى أن قرارًا يجمع بين المبرر الإنساني (حماية اللاعبين) والعائد التجاري الضخم (للفيفا والشبكات)، من الصعب جدًا التراجع عنه في المستقبل.

