في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتغير طرق حفظ المعرفة وإتاحتها، تواصل مكتبة الملك عبدالعزيز العامة أداء دورها بوصفها إحدى أهم الحاضنات الوطنية للذاكرة التاريخية والتراثية للمملكة، عبر مشروع متكامل يجمع بين صون الموروث الثقافي وتوظيف أحدث التقنيات الرقمية لضمان وصوله إلى الأجيال الحالية والمستقبلية.
وتضع المكتبة حفظ التراث الوطني ضمن أولوياتها الإستراتيجية، من خلال منظومة متكاملة تستهدف تعزيز الوصول إلى المعرفة، وإثراء المحتوى الثقافي والحضاري، وإدارة المحتوى المعرفي وتنظيمه ونشره، إلى جانب تنمية المحتوى التراثي والمحافظة عليه ورقمنته وفق أحدث المعايير التقنية.
رقمنة واسعة للمحتوى التراثي
وعملت مكتبة الملك عبدالعزيز العامة خلال السنوات الماضية على تطوير بنيتها التقنية والأرشيفية لاستيعاب حجم المقتنيات الثقافية والتاريخية التي تضمها، بما يشمل الكتب والوثائق والمخطوطات والصور النادرة والخرائط والعملات والمسكوكات التاريخية، التي تمثل مصادر أساسية للباحثين والمؤرخين وطلاب العلم.
وفي إطار هذا التوجه، نفذت المكتبة عددًا من المشاريع الرقمية التي أسهمت في توسيع قنوات الوصول إلى المعرفة وتعزيز كفاءة الأرشفة الإلكترونية، حيث بلغ عدد المقتنيات التراثية التي جرى تحويلها رقميًا نحو 63,476 نسخة، ضمن جهودها المستمرة لحماية المحتوى الثقافي وإتاحته بوسائل حديثة.
أكثر من 218 ألف مقتنى يحفظ الذاكرة الوطنية
وتعد مجموعات التراث في المكتبة من أبرز مكوناتها الثقافية والمعرفية، إذ تضم نحو 218,576 مقتنى متنوعًا يوثق جوانب متعددة من التاريخ والحضارة والتراث الوطني.
وتشمل هذه المقتنيات 128,904 وثائق تاريخية، و7,645 مخطوطة، و6,318 قطعة من العملات والمسكوكات النادرة، و7,811 صورة تاريخية، و617 خريطة، إضافة إلى 34,235 كتابًا نادرًا. كما يحتوي مركز دراسات الفروسية على 4,696 مادة متنوعة من الكتب والدراسات والصور، فيما تضم قواعد بيانات المكتبة أكثر من 28,350 مادة أرشيفية ووثائقية وتراثية مختلفة.
وثائق نادرة توثق تاريخ المملكة
وتولي المكتبة اهتمامًا خاصًا بالوثائق التاريخية المرتبطة بتاريخ المملكة والملك المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، إدراكًا لأهمية الوثائق بوصفها مصدرًا رئيسًا في كتابة التاريخ ودراسة تطور الدول والمجتمعات.
وبلغ عدد الوثائق الوطنية التاريخية التي تحتفظ بها المكتبة نحو 123,680 وثيقة، تتنوع بين وثائق رسمية وغير رسمية تسلط الضوء على مراحل مهمة من تاريخ المملكة وتطورها السياسي والاجتماعي.
ومن أبرز المجموعات التي تحتضنها المكتبة مجموعة وثائق جورج رنتس باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، والتي تغطي الفترة بين عامي 1930 و1960، وتضم وثائق شخصية ورسمية ودراسات وأبحاثًا وتقارير ومقالات ذات صلة مباشرة بتاريخ المملكة.
كما تضم المكتبة مجموعة وثائق عبدالرحمن عزام باشا التي تغطي الفترة من 1925 إلى 1960، وتوثق لقاءات ومباحثات تاريخية مهمة، من بينها نقاشات تأسيس جامعة الدول العربية، إلى جانب وثائق تتناول العلاقات العربية والقضايا السياسية في تلك المرحلة.
مجموعات تاريخية توثق أحداثًا مفصلية
ومن بين الوثائق البارزة كذلك مفكرة المحادثات التي جرت بين الملك عبدالعزيز والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت في 14 فبراير 1945، والتي تناولت القضية الفلسطينية وتطورات الصراع العربي الإسرائيلي، وتعد من الوثائق المهمة لفهم سياقات تلك المرحلة التاريخية.
وتحتفظ المكتبة أيضًا بمجموعة الوثائق البريطانية الخاصة بالملك عبدالعزيز، والتي تغطي الفترة من 1901 إلى 1953، وتضم تقارير السفارات والقنصليات والممثليات البريطانية، وتشكل أحد أبرز المصادر التاريخية المتعلقة بتاريخ الجزيرة العربية خلال مرحلة توحيد المملكة وبناء الدولة الحديثة.
كما تحتوي على مجموعة وثائق خير الدين الزركلي الممتدة بين عامي 1920 و1975، وتضم برقيات ومذكرات وأوامر ملكية وتقارير ومراسلات تعكس جوانب مختلفة من الحياة السياسية والإدارية في المملكة خلال عقود متعددة.
ذاكرة وطنية للأجيال المقبلة
ولا تقتصر مقتنيات المكتبة على الوثائق الرسمية فقط، بل تشمل أيضًا مجموعات متنوعة تتناول تاريخ الملك عبدالعزيز والقضية الفلسطينية وهجانة الجيش السعودي، إضافة إلى مخطوطات نادرة تعود إلى قرون سابقة، ما يجعلها إحدى أبرز المؤسسات الحافظة للذاكرة الوطنية والتراثية.
وتواصل مكتبة الملك عبدالعزيز العامة تطوير منظومتها المعرفية والثقافية بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، مستفيدة من أحدث التقنيات الرقمية وأدوات إدارة المعرفة، لتبقى منصة متكاملة تتيح للباحثين والمهتمين الوصول إلى كنوز التاريخ والتراث، وتسهم في حفظ الهوية الوطنية وصون الإرث الثقافي للأجيال القادمة.

