تواجه الثدييات صعوبات بالغة عند الاستقرار في البيئات الجبلية المرتفعة، حيث تنخفض درجات الحرارة وتندر الموارد المائية والغذائية، بجانب تراجع مستويات الأوكسجين الذي يضع حدًا قاسيًا للعمليات الحيوية المعتمدة على التنفس، غير أن ثدييات عدة، بما في ذلك البشر، قد تطورت جينيًا عبر الزمن للتغلب على هذه التحديات الفسيولوجية المزدوجة وقهر قسوة المرتفعات الشاهقة.
وعند الوصول إلى علو شاهق يقدّر بنحو 5 آلاف متر فوق سطح البحر، يتراجع الضغط الجزئي للأوكسجين إلى نصف قيمته المعتادة، ما يدفع أجسام الكائنات غير المتكيفة إلى زيادة وتيرة التنفس بشكل سريع لتعويض النقص، وهو ما يؤدي تاليًا إلى خسارة مفرطة لغاز ثاني أكسيد الكربون، ويعرض سوائل الجسم للإصابة بحالة القلوية الطبية.
تكيف فريد يضمن بقاء فئران الأنديز بالأعالي
وأظهرت الورقة البحثية التي استعرضتها الباحثة الأكاديمية دنيس ديرينغ من جامعة يوتا، بناءً على تجارب قادها الباحث شولر ليبهاردت وفريقه العلمي، أن فئران الأنديز ذات الآذان الورقية تسجل حضورًا فريدًا بتمكنها من الحياة عند ارتفاع شاهق يبلغ 6739 مترًا على قمة بركان لولايلاكو الحدودي بين الأرجنتين وتشيلي، متجاوزة بمسافة تزيد عن نصف كيلومتر المدى الجغرافي لحيوانات بيكا ذات الآذان الكبيرة التي ظلت طويلاً رمزًا لقهر المرتفعات.
وأجرى الفريق البحثي مقارنة دقيقة بين عينات من فئران الأنديز ذات الآذان الورقية التي تقطن القمم المرتفعة عند علو 4260 مترًا، ونظيرتها التي تعيش بالسهول المنخفضة عند علو 1420 مترًا، بجانب فصيلة قريبة تعيش على ارتفاع 620 مترًا.
وقد رصد العلماء تمتع فئران الأعالي بقدرة فائقة على استنشاق الأوكسجين وتوظيفه لإنتاج التدفئة الذاتية، معتمدةً بصفة أساسية على حرق الدهون كمصدر وقود رئيسي رغم حاجته لكميات أوكسجين أكبر مقارنة بالكربوهيدرات.
حلول جينية ذكية لتفادي أزمات نقص الأوكسجين
ولمواجهة قلة الأوكسجين، لا تلجأ هذه الفصيلة الجبلية إلى رفع نسب الهيموغلوبين بالدم كعادة القوارض الأخرى، بل تحافظ على اتزانها الداخلي عبر تقليص فاعلية إنزيم الكربوني كأنهايدريز، وهو ما يضمن حبس كميات كافية من ثاني أكسيد الكربون داخل الخلايا ويقي الجسم من خطر القلوية.
وكشفت الفحوص الوراثية عن تطور ملحوظ في الجينات المسؤولة عن الميتوكوندريا والتمثيل الغذائي وتوسيع الأوعية الدموية لمنع ارتفاع ضغط الدم الرئوي.
وبرصد المسارات الجينية المستهدفة من عوامل نقص الأوكسجين، ظهرت أدلة واضحة على تعرض جينات فئران الأعالي للانتخاب الطبيعي، وهو ما يطابق تمامًا الاكتشافات العلمية السابقة المرصودة لدى مجتمعات الثدييات الأخرى التي تقطن المرتفعات، بما في ذلك البشر.
وإلى جانب ذلك، برزت تحورات جينية أخرى مسؤولة عن مكافحة السموم الطبيعية والمعدنية الناتجة عن تناول نباتات البيئة الجبلية ورواسب البراكين، وهو ما يدخل خلايا فئران الأنديز ذات الآذان الورقية في تحدٍ حقيقي؛ إذ يتنافس نظام التعامل مع نقص الأوكسجين مع نظام طرد السموم على جزيء بروتيني مشترك يسمى «ناقل مستقبلات الهيدروكربون الأريلي ثنائي الوحدة اثنان».
ويتسبب هذا التزاحم الجزيئي في تثبيط فاعلية طرد السموم عند نشاط عمليات التنفس الخلوي بالأعالي، وهو ما يفسر سلوك بعض الحيوانات الجبلية الأخرى كالأرانب الصخرية التي تلجأ لتخزين طعامها طويلاً حتى تتلاشى سمومه قبل أكله، أو استهلاك فضلات حيوانات أخرى، فاتحةً آفاقًا جديدة أمام الباحثين لاستكشاف حدود التكيف العضوي في البيئات الشديدة القسوة.
من هنا، تحسم الدراسة العلمية هذا التساؤل الفسيولوجي الصعب وتؤكد أن التنفس يأتي دائمًا في المرتبة الأولى؛ فحين تجبر الكائنات الحية على العيش في قمم الجبال الشاهقة، تمنح خلاياها الأولوية المطلقة لامتصاص الأوكسجين الشحيح وتأمين التدفئة اللازمة للبقاء، حتى لو كان ذلك على حساب قدرتها على هضم الطعام والتخلص من سمومه.
ويحدث هذا التفضيل الإجباري بسبب صراع جزيئي يتنافس فيه نظام الاستجابة لنقص الأوكسجين ونظام طرد السموم على بروتين مشترك داخل الخلايا، فيربح التنفس المعركة دائمًا، مما يضطر الكائنات إلى تعديل سلوكها الغذائي تجنبًا للأكل السام لعدم قدرة أجسامها على معالجته فسيولوجيًا في أثناء التنفس.

