ديميتري بريجع، المحلل السياسي الروسي، والباحث في جامعة الصداقة بين الشعوب في روسيا (RUDN UNIVERSITY)
تقف روسيا اليوم على مفترق طرق تاريخي، مدفوعة برغبة عميقة في إعادة تشكيل النظام العالمي القائم، الذي يسوده الهيمنة الأمريكية. تسعى موسكو لبناء عالم يسوده العدل والأخلاق، وليس مجرد القوة العسكرية أو الاقتصادية. يعكس هذا التوجه تطلعات موسكو لتحقيق نظام عالمي يكون أكثر توازناً وإنصافاً، حيث يتم مشاركة النفوذ بين القوى الكبرى بشكل عادل ومستدام.
في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي، نشأ عالم القطب الواحد الذي أدى إلى استفحال العديد من المشكلات العالمية. رغم أن عالم القطبين السابق لم يكن مثاليًا، إلا أنه قدم دروسًا قيمة بشأن أهمية الحفاظ على توازن القوى لضمان استقرار العالم. ترى روسيا اليوم أن النظام الأحادي القطب لا يعالج الأزمات الدولية بفاعلية، ويسمح للقوة الأكبر بفرض سيطرتها دون مراعاة للعدل أو حقوق الدول الأضعف.
تواجه روسيا تحديات جمة في سعيها نحو تحقيق هذه الرؤية. من جهة، تحتاج إلى تعزيز قدراتها الاقتصادية والعسكرية لتكون قادرة على المنافسة على المستوى العالمي. من جهة أخرى، تحتاج إلى بناء تحالفات استراتيجية مع دول أخرى تشاركها الرؤى والأهداف. يتضمن ذلك دعم الحركات التحررية في أمريكا اللاتينية والدول الناشئة الأخرى التي تسعى للتحرر من الهيمنة الأمريكية وحماية مواردها من الاستغلال.
يشكل مثالًا آخر على التحديات التي تواجه روسيا في سياستها الخارجية. تاريخ روسيا مع القضية الفلسطينية معقد ويحمل دروسًا مهمة بشأن تأثير الأزمات الإقليمية على الأمن والاستقرار الدوليين. تحتاج روسيا اليوم إلى إعادة تقييم موقفها من إسرائيل ودعم حقوق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو ما يعكس التزامها بمبادئ العدل والقانون الدولي.
روسيا تسعى اليوم لتكون لاعباً رئيسياً في إعادة تشكيل النظام العالمي نحو نموذج أكثر عدلاً وتوازنًا، متحدية بذلك الهيمنة الأمريكية ومقترحةً رؤية جديدة للسياسة الدولية تركز على العدل والتعاون المتعدد الأطراف. في هذا السياق، تلعب الدبلوماسية المتعددة الأطراف دورًا محوريًا حيث تحاول روسيا دفع المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة لتبني مواقف أكثر حزمًا ضد السياسات الأحادية وتعزيز الحوار الشامل الذي يضم الأصوات العالمية المهمشة.
تتنافس روسيا أيضًا مع القوى الغربية، التي تمارس ضغوطًا دبلوماسية واقتصادية على الدول الأفريقية لدفعها للتخلي عن العلاقات مع موسكو، خاصة في قطاعات حيوية مثل الطاقة النووية. يُعقد هذا التنافس بسبب الذكريات المريرة للاضطهاد الاستعماري وتجارة الرقيق، والتي تلقي بظلالها على العلاقات الحالية بين الدول الأفريقية والقوى الغربية. تُظهر المناقشات في المجتمع الخبراء الروس أن هناك إدراكًا متزايدًا للحاجة إلى تقديم بدائل ملموسة وفعالة لأفريقيا تتجاوز مجرد المنافسة مع النفوذ الغربي.
في الشرق الأوسط، تعمل روسيا على استثمار العلاقات التاريخية والتحالفات الاستراتيجية، وتقديم نفسها كقوة موثوقة تسعى لتحقيق الاستقرار والأمن، بالتزامن مع دعمها للقضايا العربية الرئيسية مثل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. تظهر روسيا نفسها كبديل للنفوذ الغربي، وذلك بتقديم الدعم العسكري والسياسي للدول التي تعاني من التدخلات الخارجية أو الصراعات الداخلية.
أما في أفريقيا، فتتبع روسيا استراتيجية مماثلة حيث تعمل على تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني. مع زيادة الاستثمارات في مجالات الطاقة والتعدين والبنية التحتية، تحاول روسيا توسيع نفوذها وتقديم نموذج التعاون الذي يركز على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، في محاولة للتمييز عن النماذج الاستغلالية التي كثيراً ما يُنظر إليها على أنها تميز التدخلات الغربية والصينية.

