عندما يُذكر مصطلح «الصحوة»، يتبادر إلى الذهن ذلك التيار الديني الذي ترك أثراً واسعاً في المجتمع، حتى كادت الكلمة ترتبط به وحده، و كأنها اسمٌ خاص لا وصفٌ لحالة فكرية يمكن أن تتكرر بأشكال مختلفة.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس، هل انتهت الصحوة؟، بل هل يمكن أن تعود بصيغة أخرى، و بشعارات مختلفة، و بمرجعية جديدة؟.
قد يبدو السؤال مستفزاً، لأن الخطاب التنويري ظل سنوات طويلة يقدّم نفسه بوصفه النقيض الكامل للصحوة، و الوريث الطبيعي للعقل، و الحرية، و التقدم، لكن التجربة كشفت أن الخلاف في المرجعية لا يعني بالضرورة اختلافاً في طريقة التفكير.
فالصحوة لم تكن مشكلة لأنها دينية، بل لأنها مارست الوصاية على المجتمع، و افترضت أنها تملك الحقيقة، و أن دورها لا يقتصر على عرض الأفكار، بل يمتد إلى توجيه الناس، و تصنيفهم، و منحهم صكوك القبول و الرفض، فكل وصاية تبدأ بادعاء حماية الحقيقة، و تنتهي باحتكارها.
و المشكلة أن هذا النموذج لم يختف، بل أعاد بعض من يرفعون شعار التنوير إنتاجه بصورة مختلفة، فاستبدلوا الوصاية الدينية بوصاية فكرية، و استبدلوا احتكار تفسير النص باحتكار تفسير الحداثة، و أصبح الاختلاف معهم عند بعضهم دليلاً على الجهل، لا حقاً مشروعاً في تعدد الآراء.
ليس كل من حمل شعار التنوير تنويرياً، فكما أن الصحوة أنجبت متشددين، فقد أنجب التنوير أيضاً «تنويريين ظلاميين».
فالتنويري الحقيقي يثق بعقل المجتمع، و يطرح فكرته، ثم يترك للناس حرية قبولها أو رفضها، أما التنويري الظلامي فيؤمن بالحرية ما دامت تقوده إلى النتيجة التي يريدها، فإذا اختار المجتمع غير ما اختار، تحوّل الحوار إلى محاكمة، و الاختلاف إلى تهمة، و النقد إلى جريمة فكرية.
فالظلامية ليست انتماءً دينياً، و لا موقفاً من الحداثة، بل طريقة في التفكير، لذلك قد يكون الإنسان متديناً بعيداً عنها، و قد يكون تنويرياً يمارسها دون أن يشعر، لأن المشكلة ليست في الفكرة، بل في الاعتقاد أن الحقيقة لا يحق أن يتحدث بها إلا فريق واحد.
و حين يبلغ المجتمع هذا المستوى من النضج، لا يبقى صراع المرجعيات هو المحرك للدولة، بل تصبح المؤسسات أقدر على إدارة الاختلاف بمعايير النظام، و القانون، و الكفاءة، لأن الدولة التي تثق بعقل مجتمعها، لا تحتاج إلى وصيٍّ ديني، و لا إلى وصيٍّ فكري.
ولعل أبرز ما كشفت عنه التحولات السعودية خلال السنوات الأخيرة أن المجتمع تجاوز هذه الثنائية، فلم يعد ينتظر من يعرّفه كيف يفكر، بل أصبح أكثر قدرة على اختبار الأفكار بنفسه، بينما اتجهت الدولة إلى نموذج يقيس قيمة الأفكار بقدرتها على صناعة الأثر، و تحويلها إلى منجز، لا بقدرتها على كسب التصفيق، أو احتكار الجدل، أو ادعاء امتلاك الحقيقة.
لهذا لم يعد المجتمع يقيس الأفكار بأسماء أصحابها، و لا بتاريخهم، بل بما تضيفه إلى واقعه، و هنا فقد الخطاب الوصائي أهم امتياز عاش عليه طويلاً، امتياز الحديث باسم المجتمع، لأن المجتمع قرر أن يتحدث عن نفسه بنفسه.
لهذا، إذا كنا بالفعل مقبلين على صحوة جديدة، فلن تكون صحوة تيار، و لا انتصار أيديولوجيا على أخرى، بل صحوة على فكرة الوصاية نفسها، لأن المجتمع الذي يثق بعقله لا يحتاج إلى من يفكر بالنيابة عنه، سواء ارتدى عباءة الصحوة، أو ارتدى عباءة التنوير، و المعيار ليس ما يعلنه الإنسان من شعارات، بل كيف يتعامل مع من يخالفه، فإن اتسع صدره للاختلاف كان شريكاً في التنوير، و إن ضاق به، فلا فرق كبير بين ظلاميةٍ تتحدث باسم الماضي، و ظلاميةٍ تتحدث باسم المستقبل.

