د. عبدالله الكعيد
تمدّ الطيور المهاجرة أعناقها المشرئبّة كرؤوس السهام نحو الأفق مخترقة تيارات الهواء المعاكسة. تطير في تتابع مدهش بتشكيلٍ عسكري صارم لا يقبل الخلل أو التراخي. بينما تتكوم أجساد بشريّة منكفئة حسيرة على قارب مطاطي أو مركب بدائي، تتلاعب به الأمواج وفي الرؤوس تدور أحلام الهجرة إلى حيث حياة كريمة متخيّلة.
تبحث الطيور المهاجرة عن الدفء إذا حل الصقيع في موطنها لكنها تعود حالما يحين وقت الإياب للعش الدافئ، بينما يهاجر البشر حتى ولو كانت الوجهة قاسية المناخ صعبة التكيّف فالوطن المتروك أقسى عليهم من كل الظروف التي قد يواجهونها في الأرض المنشودة.
الطيور بطبيعتها حُرة. حُرّة في وجهتها. وفي طيرانها وفي توقفاتها للراحة. حُرّة في قرار عودتها. بينما أولئك البشر بلا حول ولا حيلة لا يملكون من أمرهم شيئاً. دوّختهم (وعود كاذبة) بجنّة محفوفة بالملذات فيها حرّية بلا حدود. المهم الدفع مقدماً والوعد بطن حوت أو معتقل مخصص للهجرة غير الشرعية ثم العودة إلى ذات الجحيم الملفوظ.
أدركت الطيور الحكمة الصينية التي تُشير بكل وضوح إلى أن الماء البعيد لا يُطفئ الحريق القريب، بينما أولئك البشر قد أُجبِروا فيما يبدو على إطفاء نيرانهم من ماءٍ بعيدٍ صعب المنال.

