فيصل الحمد
خبير استراتيجي وعسكري
منذ اندلاع الثورة السورية في عام 2011، شهدت الساحة السورية عدة تحولات في موازين القوى ومعادلات النفوذ على أرضها. تحولت الأزمة من داخلية إلى صراع إقليمي ودولي للتنافس على الموقع الاستراتيجي والموارد. أصبحت الأزمة تتضمن صراعاً أيديولوجياً وسياسياً، وأفرزت واقعاً معقداً جعل منها مسرحاً لتنافس قوى متعددة تغيرت أدوارها وتحالفاتها وفقاً للظروف الميدانية والسياسية.
مع بداية الأزمة، أخذ الصراع طابعاً محلياً بين نظام الأسد والمعارضة التي رفعت شعارات تطالب بالديمقراطية والإصلاح. ولكن مع مرور الوقت، بدأت أطراف إقليمية ودولية بالتدخل، مما أدى إلى تصعيد الصراع وتحويله إلى حرب شاملة. جاء هذا التدخل استجابة لمصالح مختلفة؛ فمن جهة دعمت دول فصائل المعارضة المسلحة، بينما وقفت إيران وروسيا إلى جانب النظام السوري برؤية تركز على حماية مصالحهما.
جاء التدخل الروسي عام 2015 بمثابة نقطة تحول في مسار الأزمة وتغيير لمعادلة النفوذ. نجحت القوات التابعة للنظام، وبدعم من القوات الروسية، في استعادة السيطرة على معظم المناطق التي كانت بيد المعارضة المسلحة. استهدفت روسيا بشكل مباشر الجماعات المسلحة، بما فيها الفصائل المدعومة من الغرب، مما عزز من موقع روسيا كلاعب رئيس في المشهد السوري وقلص من نفوذ الأطراف الأخرى.
من جهة أخرى، استغلت إيران الأزمة لترسيخ وجودها العسكري والسياسي في سوريا، حيث دعمت ميليشيات مسلحة مثل حزب الله اللبناني وفصائل عراقية وأفغانية وباكستانية أخرى، خصوصاً مع سحب القوات الروسية جزءاً من قواتها لدعم عملياتها في الحرب الأوكرانية. أثار هذا التواجد قلقاً إقليمياً ودولياً، خاصة من إسرائيل التي شنت ضربات جوية متكررة على مواقع تابعة لإيران وحلفائها داخل الأراضي السورية. أصبح التنافس الإيراني-الإسرائيلي جزءاً من المعادلة، وجعل من المنطقة مسرحاً لحرب غير مباشرة زادت من تعقيد المشهد.
على الجانب الآخر، برزت تركيا كلاعب رئيسي بعد تدخلها العسكري في شمال سوريا. هدفت أنقرة إلى منع تمدد القوات الكردية التي تعتبرها تهديداً لأمنها القومي. ونجحت في السيطرة على مناطق واسعة من الشمال السوري عبر عمليات عسكرية مثل “درع الفرات” و”نبع السلام”. لم تكتفِ هذه العمليات بتحقيق أهداف أمنية تركية وإيجاد منطقة أمنية عازلة، بل رسمت حدوداً جديدة للنفوذ التركي في سوريا، خاصة مع وجود تفاهمات مع روسيا والولايات المتحدة حول مناطق النفوذ.
الولايات المتحدة أيضاً كان لها دور محوري في رسم معادلة النفوذ على الأرض السورية، خاصة من خلال دعمها لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تسيطر على مساحات واسعة من الشمال الشرقي لسوريا، بما في ذلك حقول النفط. يتمركز الأمريكيون بشكل كبير في قاعدة التنف بالجنوب الشرقي. ومع أن واشنطن أعلنت تقليص وجودها العسكري المباشر في سوريا خلال السنوات الأخيرة، إلا أن مصالحها الاستراتيجية، خصوصاً في مواجهة النفوذ الإيراني والروسي، أبقت على تواجد محدود للقوات الأمريكية في المنطقة.
المعادلة السورية لم تقتصر على الأطراف الإقليمية والدولية فحسب، بل شهدت أيضاً صعوداً وهبوطاً لقوى مثل تنظيم داعش، الذي سيطر لفترة على أجزاء واسعة. رغم اندثار التنظيم إعلامياً، إلا أنه ظهر بعدة صور؛ أولها “جبهة النصرة”، ثم “هيئة تحرير الشام” التي تقود العمليات في الشمال الغربي منذ عام 2019، مما يعكس استمرار التحديات الأمنية.
اليوم، وبعد أكثر من عقد من الصراع، تبدو معادلة النفوذ في سوريا أكثر قابلية للتغيير مع استمرار حالة الجمود السياسي. فقد سعت إسرائيل إلى حماية أمنها الوطني من خلال سلسلة استهدافات جوية ضد عناصر وقدرات الحرس الثوري الإيراني وميليشيا حزب الله. وانطلقت عمليات متزامنة من الفصائل المسلحة في الشمال السوري بدعم تركي، حيث حققت عمليات “ردع العدوان”، التي تقودها هيئة تحرير الشام، إنجازات مهمة على الأرض، أبرزها السيطرة على حلب وتل رفعت، مع استمرار الزحف نحو مدينة حماة. أما عملية “فجر الحرية”، التي يقودها الجيش الوطني السوري، فقد حققت إنجازات وأعلنت توجهها نحو منطقة منبج.
إضافة إلى هذه التغيرات في الأراضي الشمالية الغربية، فقد واجهت قوات سوريا الديمقراطية الجماعات المسلحة الإيرانية في الشرق السوري بدعم من القوات الأمريكية. كما انتفضت القبائل العربية في تلك المناطق لإيجاد مناطق آمنة تمنع التدخل العسكري. وتشير الأنباء إلى احتمال تحرك مسلح من محافظة درعا في الجنوب السوري.
النظام السوري، وبدعم إيراني وروسي، يحاول الحفاظ على الأراضي التي يسيطر عليها قدر الإمكان، بينما تواصل تركيا تعزيز وجودها في الشمال السوري. وتبقي الولايات المتحدة على نفوذها في الشرق. في المقابل، ورغم تحقيق الفصائل المسلحة لنجاحات كبيرة على الأرض، إلا أن خطر التصدع والتقاتل فيما بينها يبدو حتمياً بسبب اختلاف توجهاتها وأهدافها، رغم توحد هدفها في الوقت الحاضر.
ختاماً، تعكس التغيرات في معادلة النفوذ على الأرض السورية التحولات الإقليمية والدولية. في ظل غياب الإرادة الدولية وعدم وجود توافق لحل الأزمة السورية سياسياً، لا تزال الأزمة تراوح مكانها، مما يبقيها منطقة عدم استقرار خاضعة لحسابات النفوذ والقوة، فيما يستمر الشعب السوري في دفع الثمن الأكبر لهذا الصراع الطويل.

