سعود النداح
باحث دكتوراة في سياسات الرعاية الاجتماعية وإدارة المؤسسات، مستشار اجتماعي.
هناك مقولة باللهجة العامية جميلة جداً وعميقة ” الأولين ما خلو للتالين شي” وهي تشدد على تأكيد أن خبرات الحياة والتعلم منها مهم، فما حياتنا إلى سيناريوهات متكررة، يختلف فيها فقط بعض التفاصيل والتوقيت.
هذا المثال المعنون به المقال، مثير حقاً، ويجعلنا ندارك أشياء عميقة، قد نكون يوماً من الأيام كسرناها بداخلنا.
في الحياة، هناك أوقات يُصبح فيها وجودك فارقًا في حياة شخص آخر. ربما وجدته في أضعف لحظاته، منهارًا، عاجزًا عن الوقوف أو حتى الاستمرار. رأيت فيه إنسانًا يحتاج يدًا تمتد إليه، فكنت تلك اليد. لم تكن الأمور سهلة، ولم تكن مجرد كلمات دعم عابرة. بل كانت تضحية، بناء، وجهد لإعادة ترتيب حياته من جديد. كنت الحائط الذي استند عليه عندما لم يكن هناك شيء آخر.
لكن ما يُدهشك لاحقًا هو أن هذا الشخص، الذي بذلت كل ذلك لأجله، قد يبدأ في مساواتك بنفسه. يقول: “أنا أيضًا قدمت”، وكأن ما فعله يُقارب ما قدمته له في لحظات الحاجة. يتناسى أو يغفل أن كل ما فعله لاحقًا لم يكن إلا نتيجة مباشرة لما صنعته أنت. إن كان لديه ما يُقدمه الآن، فهو من نتاج دعمك. إذا أضاء نورًا في طريقه، فهو لأنك أعدت إشعال مصباح حياته المطفأ.
الحقيقة التي يجب أن تُقال هي أن العطاء الحقيقي هو ما يحدث في لحظة الحاجة، حين لا أحد موجود، وحين يتطلب الأمر أكثر من مجرد مساهمة سطحية. الفضل يعود لمن وقف بثبات في وقت الانهيار، لمن أعد الحياة لمن فقدها، لمن بذل جهدًا في غرس نخلة في أرض كانت خاوية. أما من يأتي بعد ذلك ليقطف تمر النخلة، أو حتى يقدم شيئًا صغيرًا من ظلالها، فهذا ليس إلا نتيجة طبيعية لما صنعته يدك.
القوة ليست في الردود المتأخرة، بل في البداية. العظمة ليست في من يقول “أنا أيضًا”، بل في من كان هناك حين كان كل شيء على وشك الانهيار. أنت من بذلت روحك ووقتك لإعادة الحياة لمن لم يكن يملكها. ما يفعله الآخر لاحقًا ليس فضلًا، بل هو امتداد طبيعي لما قدمته أنت.
لذلك، لا تدع كلمات تدّعي الفضل تُحبطك. لا تُربكك محاولات مساواة الجهد العظيم الذي بذلته بشيء صغير أتى لاحقًا. أنت صاحب الفضل الأول، أنت من زرعت النخلة وسقيتها وصبرت عليها، وأنت من أعاد الأمور إلى نصابها.
عطاءات العسر هي الأكبر، وهي الفضل الحقيقي، أما أوقات الرخاء فعطاءها لا يصل إلى مرحلة الفضل.
إجمالاً، لا تتوقف عن أن تكون السند، لكن كن واعيًا. لا تسمح لأحد أن يُقلل من عطائك أو يجعل ما قدمته يبدو وكأنه شيء عادي، أو يوهمك بأنك مسير فيه ولست مخير، أو يخدعك ببريق الكلمات الرنانة التي تخالف الأفعال.
استحقاقك محفوظ لأنك أنت من غرس النخلة في أصعب الظروف. ازرع الخير، لكن لا تخجل أبدًا من رفع رأسك عاليًا وأنت تقول: “النخل نخلنا، والتمر ثمار تعبنا”.

