الدكتور رياض موسى سكران – الكاتب والناقد المسرحي
يتّجه المسرح السعودي الجديد لآفاق مفتوحة، ويبحث عن صياغات ومعايير جمالية محدثة، من أجل تكريس وعي جمالي لدى الجمهور، ودفعه لأن يتأمّل ممكنات وموجّهات المعنى في العرض المسرحي الذي رسمت حركته خطوط متعاضدة، من تجارب وخبرات وقراءات ومشاهدات، تداخلت معها تقنيات محدّثة ومتوافقة مع حركية العصر.
العرض المسرحي ليس انعكاسا مباشرا للفعل اليومي، وهنا مكمن التباين والتنوّع والاختلاف في مفهوم الرؤى، إذ توقّفنا بدهشةٍ أمام سحر الصورة وشِعرية المَشهد ورسم الفضاء في مسرحيات “صالح زمانان”، وتفاعلنا مع ذلك الانسجام الهارموني المحلق صوب محاكاة ما ينبغي أن يكون في مسرحيات “سامي الزهراني”، وقرأنا بشغف ذلك التفرّد في تقنيات صناعة اللعبة الدرامية المفترضة وتجلياتها في مسرحيات “فهد ردة الحارثي”.
كما توقّفنا إزاء عملية إعادة إنتاج الواقعية الخيالية وتجلياتها السحرية في مسرحيات “عباس الحايك”، وتيقّظت فينا الهواجس الإنسانية عندما جلدت أجسادنا سياط الواقع الضاغط في مسرحيات “ياسر الحسن”، وتفاعلنا مع ذلك البوح المتفرّد والصوت العالي والموقف الجريء للمرأة في نصوص “ملحة عبدالله”.
وبحثنا عن الإنسان في داخل الإنسان نفسه، لنعود ونقف بدهشة متجدّدة، تدفعنا الرغبة في التقصّي والبحث عن مكامن أسرار اللعبة السّاحرة، لتباغتنا بقوة تلك الفضاءات المغايرة التي يؤسّسها البعد الإنساني الذي يسعى عبثا أن يبرر وجوده في عالم مضطرب، شكلته الفرضيات المسرحية لـ”سامي الجمعان”.
وهذه التجارب وغيرها، وهي تحاكي أعماق الذات الإنسانية وهواجسها بين الراهن والآتي ويتجلّى فيها ذلك البوح الجميل، هي التي شكّلت تضاريس خارطة المسرح السعودي الراهن مع كل التجارب الشبابية التي تفتح الأفق الجمالي للبوح والتعبير، لتمنح المسرح في السعودية أفقا متجددا ومنفتحا على فضاءات المستقبل.
وبالتالي، ليس هنالك اتجاه نمطي واحد يسير الجميع على مساره، وإنما توجد رؤى منفتحة متنوعة، تختلف حسب اختلاف التنوع الثقافي والمعرفي.
هذه الرّؤى وغيرها رؤى أخرى عديدة، هي التي شكّلت تضاريس خارطة المسرح السعودي، وهي تجارب تقوم على خلق متواصل للمعنى، وتفتح الفضاء أمام تعددية القراءة، فالتجربة المسرحية السعودية، لم تكن تسعى إلى رصف للعناصر أو وصف للظواهر، وإنما هي عمليات تأسيس وابتكار متواصل، وهي محاكاة جوهرية نابضة لأشياء حيّة، تجعل معنى العرض ينفتح ليعانق الوجود، وينقل بعضا من كثافته، فضلا عن أن جوهر خطاب كل عرض مسرحي كان يسعى لخلق “روح” حميمية للعرض، تؤسّس لفعل القراءة والتواصل وإنتاج المعنى.
مِن هنا لم يكن المسرح ترفا أو متعة مجرّدة، بل إنه كان استجابةً للنداءات الآتية من فضاءات المستقبل، ولعلّ الجوهر المشترك في أعمال المسرح السعودي، يتمثّل في أنها أعمال لم تجعل تصوير ونقل الواقع هدفا وغاية لها، بل تجاوزته إلى ما هو أعمق، فصار المعنى فيها يسلم إلى معنى جديد، والمعنى الجديد إلى معنى آخر، لتظلّ توحي بقراءات مُتعدّدة تنطوي على معانٍ متنوّعة ومتوالدة ومتجدّدة، وهي تفتح فضاءات المعنى على الأفق الجمالي وتجلياته اللامتناهية.

