د. هند بنت محمد القحطاني، وزارة التعليم
مُهتمة في التربية والتطوير وتعليم اللُّغة الإنجليزيَّة
كلُّ عامٍ ينتهي يحملُ في طيّاتهِ الكثيرَ مِنَ الذكريات، حافلًا بالعطاء والتميُّز، وربما خالطَهُ كثيرٌ مِنَ العثرات، لكن ما زلنا صامدين، وطالما نحن على قَيْد الحياة فهذا يعني أن الأوان لم يَفُتْ؛ والقادمَ أكثرُ وأفضلُ وأجمَل.. ما أروعَ حُسْنَ الظنِّ بالله في جميع الشؤون، وفي كُل الأوقات، وعلى مدار الأزمنة!
اسأل نفسَك اليوم: كيف تبدأ عام ٢٠٢٥م بروح جديدة؟ فربما يكون بدايةً لانطلاقة جديدةٍ، أو عامًا تابعًا لأحلامك المخطَّطة التي ما زلتَ تُلاحقها بعزيمةٍ وإصرارٍ وتفاؤل.. اعقِد النية الآن، وخطِّط، ولتَكُنِ البدايةُ وقفةً مع الذات، وتأمُّلاتٍ في مجريات العام السابق.. كيف تعاملتَ مع مجريات العام آن ذاك؟ هل تخطَّيْتَها أو لا تزال تحتاجُ إلى رُوحٍ جديدةٍ لِتتخطَّى تلك المجريات والأحداث. فكِّرْ كثيرًا: ما الممكن تعديلُه لهذا العام؟ ما المفترَض أن تَكْتسبهُ من الخبرات أو المهارات لهذا العام؟ ما الممكن أن تُعيدَ النظر فيه من شؤون حياتك؟ ما الممكن أن تتناساه بين حينٍ وآخر؟.. فكِّر مع ذاتِك وخطِّط، ودوِّن اليوم تِلك الخُطَط.
لا تجعل لليأس بابًا إطلاقًا، ولا تَنظر إلى بابٍ واحدٍ؛ فهناك أبوابٌ كثيرة، اطرُقْها واحدًا تلوَ الآخر؛ فلا تعلمُ أيَّ بابٍ هو الأنسب للدخول في تحدياتٍ جديدة، أو الباب الذي يُضيف إليك الكثير أو يصنع عالمك.
نصيحة: لا تتعلَّق بمهنتك فقط، ولا تتعلَّق بماضيك كثيرًا، ولا تتعلَّق بذكرياتك طويلًا، دع الكثير منها يُحلِّق في السماء بين حينٍ وآخر؛ فلم يَعُد هناك من الوقت لِتضيِّعه؛ فما فات ما هو إلا دروسٌ يمكنك أن تستفيدَ منها.
عايِنْ رصيدَك الاجتماعي، والأسري، والمهني، والصحي، ثُمَّ زِدْ هذه الأرصدة أكثر وأكثر. لا مانعَ من أن تَنْظُر إلى رصيدك في الحياة، لكن احذر أن يكون رصيدُك للدار الآخرة منخفضًا: كم رصيدك من الحسنات؟ كم رصيدك من الأعمال الخيِّرة؟ كم رصيدك من التطوع الصادق؟.. زِدْ رصيدَك حتى لا تأسَفَ يومًا على الأيام التي قدَّمَت فيها رصيدَ الدنيا على رصيد الآخرة.
لا يهمك أنْ تكونَ الأفضلَ اليوم، إنما أنْ تكون أفضلَ مِنَ العام السابق.
لعلَّك في بداية العام تُعاهِدُ نفسَك بالتغيُّرات التي يُفترَض أن تُركِّز عليها، أو الأشياء التي لا بد أنْ تُطوِّرَها وتُنمّيَها، وأوَّل تلك الأمور التي يُفترَض أن تُعيدَ النظر فيها هو أن تكونَ شخصًا مختلفًا، مُتجِّددًا؛ فكُنْ مبادرًا بالعطاء، مُحبًّا لنَشْر الخير والأمل بين الناس، كُنْ صانعَ تأثيرٍ لمن حولك ومَنْ هم في دائرتك، كُنْ خيرًا لنفسك.
هناك أمورٌ لا بد أن تُعطيَها جُلَّ اهتمامِك وتجعلَها أولوياتِك في الحياة، وأوّلُها نفسُك، لا شيءَ أهمُّ من نفسك، فأنتَ في المقدمة مهما كلَّف الأمر، لا أحدَ يستطيع أن يلومَك في تقديِمك لنفسك على الآخرين؛ لأنك بكل بساطة محبٌّ لها، وصادقٌ ومُتصالحٌ معها؛ وهذا الفكر يُكسبك محبة الآخرين، فيرونك شخصًا مميزًا ومتّزنًا.
وفي الحقيقة،كلنا نملكُ جانبًا مظلمًا، وما عليك فقط هو أنْ تتعرَّف على ذاك الجانب المظلم في روُحك؛ لحظتَها ستجدُ نفسَك بالتأكيد، ستتعرَّفُ عليها جيدًا، ومَن عرَفَ نفسَهُ عرَفَ ربَّهُ.
وهناك أمورٌ لا بد أن تلتزمَ بها، منها: أن الوفاءَ البالغَ لبعض الأشخاص أمرٌ مهمٌّ للغاية، والدعاءَ بظَهْر الغيب لمن طابَ العيش معهم أمرٌ مُستحسَنٌ، والشُّكرَ والامتنانَ للأشخاصِ المؤثِّرين في حياتِك يزيدك ويزيدهم سعادة.
وكذلك من الأمور ما ينبغي أن تدركه وتجعله عادةً في حياتك القادمة: تعرَّف أين القرآنُ في قلبك؟ كيف علاقتك مع ربك؟ كيف تُجدِّدُ رُوحَك بين حينٍ وآخر؟ كيف تُدير مشاعرَك؟ كيف تتحكَّم في حياتك؟ كيف تَسْتزيد وتُعدِّد من مصادر دَخْلِك؟
وفي المقابل، هناك أمورٌ لا بد من التخلُّص منها والابتعاد عنها: كالذكريات الحزينة، والمواقف التعيسة، والأرواح السامَّة، والأرواح الحاسدة؛ فالبعد في كثيرٍ من الأوقات غنيمة.
لا بد أن تلتزمَ بالعهد الذي قطعتَ على نفسِك، وفي الحقيقة أُولَى خطوات النجاح هي الوفاء بالعهد مع الذات؛ فالنجاح ليس لهُ قيمةٌ ما لم يصحَبْك إلى الاستمرارية والقيام بكل الأمور التي تُحبّ أن تفعلَها من أجل الاستمتاع بحياة جميلة متّزِنة. وتأكَّدْ أنَّ النجاحات المتتالية تُسهم في شَحْن طاقتِك وتدفعُك إلى الاستمرار في العمل والاستمتاع بالحياة؛ فالتوفيق لا بد أن يأتي مقرونًا باليقين بالله، ثم العمل الدؤوب، والنية الصادقة.
انظُرْ لتلك الشجرةِ المثمرة، فقد كانت بذرةً وأصبحَتْ شجرةً مع الأيام، فلا شيءَ يأتي سريعًا أو دُونَ عنايةٍ وعناء.. وعلى ذلك فَقِسْ؛ فمميزاتك ومهاراتك لا بد من الاعتناء بها وتنميتها، مع تَجنُّب الاستعجال في النتائج، أو فقدان الأمل في مُنتصف الطريق.
أعط ِكلَّ شيءٍ وقتَهُ لينمو ويكتمل، وتأكَّدْ أنَّ ما صنعتَهُ بالأمس وما حقَّقْتَ مِن خطواتٍ بسيطة ستتمكَّن
من استكمالها هذا العام، فكلما استبشَرْتَ خيرًا أكرَمَك الله بالعطايا أكثر مما تتوقَّعْتَ وتتخيَّل.

