أ.د. أحمد بن محمد الزائدي
لكل منظومة تعليمية أولوية يتضاعف بتحسينها أثر بقية السياسات والمبادرات؛ إذ لكل منظومة نقطة ارتكاز يتضاعف بتحسينها أثر بقية مكوناتها. وتبلغ كفاءة السياسات ذروتها عندما تُحسن تحديد هذه النقطة، ثم تُوجَّه إليها الموارد، وتنتظم حولها الجهود، ويُقاس نجاحها بما تُحدثه من أثر في تعلم الطالب. وفي التعليم السعودي تمثل المهارات التأسيسية في الصفوف الأولية هذه الأولوية؛ لأنها القاعدة التي تُبنى عليها جودة التعلم، ومنها يبدأ التحسن الحقيقي في نواتج التعلم، ويتعاظم العائد من الاستثمار في رأس المال البشري.
وتشمل المهارات التأسيسية القراءة، والكتابة، والمهارات الأساسية في الرياضيات. وهي ليست معارف ترتبط بمرحلة عمرية محددة، بل أدوات يتأسس عليها التعلم في جميع مراحله. فكلما ترسخت في السنوات الأولى، ازدادت قدرة الطالب على استيعاب المعارف اللاحقة، وتنمية التفكير، والتعلم باستقلالية، والتكيف مع متطلبات المراحل المتقدمة. أما تعثر اكتسابها، فلا يقتصر أثره على انخفاض التحصيل الدراسي، بل يمتد إلى معظم الخبرات التعليمية اللاحقة.
ولا تقف كلفة ضعف هذه المهارات عند حدود المدرسة؛ فهي توسع فجوات التعلم، وترفع معدلات التعثر، وتزيد الحاجة إلى برامج علاجية متأخرة أعلى كلفة وأقل أثرًا. ثم يمتد أثرها إلى جودة المخرجات التعليمية، وكفاءة رأس المال البشري، والإنتاجية، والقدرة التنافسية للاقتصاد. لذلك فإن الاستثمار في المهارات التأسيسية ليس أولوية تعليمية فحسب، بل خيارًا تنمويًا يتصل مباشرة بمستقبل المملكة.
وتعزز الأدلة الوطنية والدولية هذا التوجه. فاختبارات «نافس» توفر لوزارة التعليم مرجعًا وطنيًا لقياس اكتساب الطلبة للمهارات التأسيسية، ورصد فجوات التعلم، ومتابعة أثر التدخلات التحسينية. وعلى المستوى الدولي، أظهرت نتائج «بيرلز 2021» تحسن متوسط أداء المملكة في القراءة إلى (449) نقطة، مع بقائه دون المتوسط الدولي. كما يشير مؤشر فقر التعلم الصادر عن البنك الدولي إلى أن نحو (29%) من الأطفال قد لا يتمكنون من قراءة نص بسيط وفهمه عند سن العاشرة، أي ما يقارب ثلاثة طلاب من كل عشرة، وهو مؤشر يعزز أولوية الاستثمار في المهارات التأسيسية منذ السنوات الأولى.
ولا تكمن أهمية هذه المؤشرات في اختلاف أدواتها، بل في اتفاقها على رسالة واحدة: لا يمكن تحسين نواتج التعلم دون إتقان المهارات التأسيسية. وعندما تتقاطع نتائج التقويم الوطني، والاختبارات الدولية، والمؤشرات التنموية على هذه الحقيقة، فإنها لا تصف الواقع فحسب، بل تحدد الاتجاه الذي ينبغي أن تتحرك نحوه السياسة التعليمية. فمعالجة التعثر في السنوات الأولى تحقق أعلى عائد؛ لأنها تمنع اتساع فجوات التعلم قبل أن تصبح أكثر تعقيدًا وكلفة.
وتؤكد تجربة إنجلترا هذا المسار؛ إذ جعلت القراءة هدفًا وطنيًا، وربطت تحقيقه بإعداد متخصص لمعلم الصفوف الأولية، وتشخيصًا مبكرًا للتعثر، وتدخلات علاجية وإثرائية داخل المدرسة، مع متابعة مستمرة ومساءلة عن نتائج التحسن. ولم يكن هذا التقدم ثمرة مبادرات متفرقة، بل نتيجة سياسة مستقرة اتسمت بوضوح الأولويات، واستمرار التنفيذ، وربط المسؤولية بقياس الأثر.
وهنا يبرز السؤال الأهم في السياق السعودي: كيف تتحول المهارات التأسيسية من أولوية متفق عليها إلى المدخل الوطني الذي تنتظم حوله بقية سياسات تحسين نواتج التعلم، بوصفها المرحلة التي يتضاعف بتحسينها أثر بقية السياسات التعليمية؟
تبدأ الإجابة بجعل المهارات التأسيسية محورًا حاكمًا للسياسات، لا برنامجًا يضاف إلى قائمة المبادرات. فنجاح هذا المدخل يتطلب إعدادًا نوعيًا لمعلم الصفوف الأولية، وتشخيصًا مبكرًا لمستوى كل طالب، وتدخلات علاجية وإثرائية داخل المدرسة، يتبعها قياس منتظم للأثر يضمن انتقال نتائج التقويم من مجرد تشخيص للواقع إلى تحسين فعلي للممارسات التعليمية.
وشهدت المملكة خلال السنوات الماضية بناء منظومة وطنية متقدمة للقياس والتقويم، نقلت تشخيص واقع التعليم من الانطباعات العامة إلى الأدلة والمؤشرات الكمية، بما أتاح قراءة أكثر دقة لمستويات الأداء وفجوات التعلم على المستويين الوطني والدولي. ولم تعد القيمة الحقيقية لهذه المنظومة في إنتاج المؤشرات فحسب، بل في تمكين صانع القرار من تحديد الأولويات، ومتابعة أثر السياسات، وتوجيه جهود التطوير على أسس علمية قابلة للقياس. وتكتمل قيمة هذه المنظومة عندما تتحول نتائجها إلى أساس تُبنى عليه قرارات التطوير.
وعندما تستند أولويات التطوير إلى الأدلة، تتكامل الأدوار المؤسسية بصورة أكثر فاعلية. فتقود وزارة التعليم السياسات، وتوجه الموارد، ويطور المركز الوطني لتطوير المناهج المحتوى في ضوء نتائج التقويم، ويتولى المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي بناء القدرات المهنية للمعلمين، لتتحول نتائج القياس إلى نقطة بداية للتحسين، لا إلى نهاية عملية التقويم.
فالقيمة الحقيقية للقياس لا تكمن في إنتاج البيانات، بل في قدرتها على صناعة القرار؛ فالبيانات تتحول إلى معلومات، والمعلومات إلى معرفة، والمعرفة إلى ممارسات تعليمية أكثر جودة، وصولًا إلى أثر ملموس في تعلم الطالب. ويُقاس نجاح هذا التحول بارتفاع مستوى إتقان الطلاب للمهارات التأسيسية، وتقليص فجوات التعلم، وتحسن نتائج التقويم الوطني والدولي، وانخفاض الحاجة إلى التدخلات العلاجية في المراحل اللاحقة. فهذه المؤشرات لا تقيس أداء البرامج وحدها، بل تكشف فاعلية السياسة التعليمية في توجيه المنظومة نحو أولوياتها الحقيقية.
وعندما تُبنى أولويات المنظومة على الأدلة، تصبح قيمة التحولات المؤسسية مرهونة بقدرتها على تحسين تعلم الطالب. فإعادة الهيكلة، وتطوير العمليات، ورفع كفاءة الإنفاق، ليست غايات في ذاتها، وإنما أدوات لتوجيه المنظومة نحو الأولويات التي يكشفها القياس، ويبرهن على جدواها التحسن الملموس في تعلم الطالب.
وفي التعليم السعودي تبدأ هذه الأولوية في الصفوف الأولية، حيث تتشكل المهارات التأسيسية، وتبدأ الكفاءة الداخلية للنظام التعليمي، ويتحدد المسار اللاحق للتعلم. فتوجيه الإمكانات المؤسسية نحو هذه المرحلة لا يمثل إطلاق مشروع جديد، بقدر ما يعبر عن حسن ترتيب الأولويات في ضوء ما كشفته منظومة القياس الوطنية من فرص للتحسين.
فالاستثمار في المهارات التأسيسية هو الاستثمار الأعلى عائدًا في التعليم؛ لأنه يحد من فجوات التعلم قبل اتساعها، ويرفع كفاءة التعلم في المراحل اللاحقة، ويعظم أثر بقية السياسات والمبادرات. وعندئذٍ، لا يصبح تحسين نواتج التعلم هدفًا مستقلًا، بل النتيجة الطبيعية لمنظومة حولت نتائج التشخيص إلى قرارات، وحددت أولوياتها، ووجهت مواردها إلى نقطة الارتكاز التي يتضاعف بتحسينها أثر المنظومة التعليمية بأكملها.

