صباح فارسي – كاتبة وأديبة ولها العديد من الإصدارات الأدبية والقصصية
تعدّ اللغة العربية، بجمالياتها وتنوّعها، أداة تعبير غنية ومتعددة الأوجه، إذ تتبايَن بين الفصحى، لغة التراث والأدب العالمي، والعامية التي تحمل نبض الحياة اليومية وتفاصيلها.
وقد دار الجدل طويلا بشأن الأفضلية بينهما في الكتابة الأدبية والإبداعية؛ فالفصحى تتميّز بقدرتها على التعبير الدقيق والعميق والوصول لجمهور واسع عبر الزمن والجغرافيا، بينما تمتاز العامية بقربها العاطفي من المتلقي وقدرتها على تجسيد الشخصيات والحوارات بواقعية.
خيار مثالي
عند الكتابة، يسعى الكاتب إلى إيصال صوته لأكبر شريحة ممكنة عبر اللغة، مما يجعل اللغة العربية الفصحى خيارا مثاليا لتحقيق هذا الهدف في العالم العربي، وأيضا عند ترجمة العمل إلى لغات أخرى، ففي حين تتمتّع الفصحى بالقدرة على توحيد القرّاء بمختلف ثقافاتهم، تبقى اللهجات العامية محدودة التّأثير، بسبب تنوّعها بين الدول وحتى المناطق داخل الدولة الواحدة.
لذلك، يُنظر إلى الفصحى كلغة قادرة على نقل المعاني بفعالية أكبر، مع احتفاظها بعمق الرسالة ومرونتها في الترجمة.
الفصحى والعامية
ومع ذلك، ليست كلّ النصوص بحاجةٍ إلى الرسمية والعمق اللذين توفّرهما الفصحى، إذ تحتاج بعض النصوص إلى الألفة والعفوية التي تقدّمها العامية، خاصةً في الحوارات التي تضفي على الشخصيات واقعية وحيوية، المهم أن يكون الخيار اللغوي داعما للرؤية الفنية للكاتب، وليس تقييدا لإبداعه.
التراث الشعبي
على الرغم من أن استخدام العامية في الكتابة قد يؤدّي دورا خاصا في توثيق التراث الشعبي أو التعبير عن القصص المحليّة، فإن ذلك قد يُنظر إليه أحيانا كدليلٍ على ضعف حصيلة الكاتب اللغوية أو محدودية قدرته على التعبير بالفصحى من تجربة شخصية استخدمت العامية الحجازية في مؤلفي حكاوي ستي رحمة لتوثيق التراث الحجازي، إذ كان الهدف يتطلب استخدام العامية لنقل الروح الثقافية بشكل أصيل، ومع ذلك لا أميل إلى استخدام العامية في كتابة القصص والروايات الكاملة، لأن الفصحى تظل الخيار الأمثل للتواصل الأدبي الشامل.
راحة للقارئ
الكتابة بالعامية قد تكون ضرورية أحيانا لإضفاء الواقعية على النصوص الأدبية، خصوصا في الحوارات، إذ تمنح الشخصيات بُعدا عاطفيا، وتجعلها أقرب إلى القرّاء، وهذا لا يعني أن العامية تُستخدَم بشكل مفرط، بل يجب أن يكون الحوار باللهجة العامية موجزا وواضحا، لتجنّب إرهاق القارئ أو إبعاده عن النص شخصيا. أرى أنّ استخدام اللهجة البيضاء في الحوارات يحقق توازنا مناسبا بين الفصحى والعامية، إذ يتيح للقارئ تصور الشخصيات كأنها حية دون إرباك أو تشويش.
تحدّيات جمّة
من زاوية أخرى، تواجه الكتابة بالعامية تحديات كبيرة؛ أهمها صعوبة الترجمة وفقدان النصوص لجمهور واسع من القرّاء، سواء على المستوى العربي أو العالمي، فاللهجات تتغيّر مع مرور الزمن، ما يجعل النصوص المكتوبة بها عرضة للاندثار، بخلاف الفصحى التي تظل ثابتة ومتجددة وقادرة على الحفاظ على المعنى الأصلي عند الترجمة، لذلك تُعد الفصحى أداة كتابة مستقرة ومستدامة، تساعد في الوصول لشرائح واسعة من القرّاء عبر الزمن والجغرافيا.
بالإضافة إلى ذلك، الكتابة بالفصحى تُبرز بلاغة الكاتب، وتُظهر قدرته الإبداعية على صياغة أفكاره بلغة تجمع بين الأصالة والجمال، كما أن الفصحى تمنح النص طابعا أدبيا شاملا، يتجاوز الحدود الزمنية والمكانية، ورغم ذلك، لا يمكن إنكار أن العامية تضيف قوة تعبيرية ونكهة محلية، خاصةً عند استخدامها بشكل مدروس، يخدم غرض النص ورؤية الكاتب الفنية.
في النهاية، الاختيار بين الفصحى والعامية يعتمد على طبيعة النص وأهداف الكاتب، وبينما تظل الفصحى أداة التعبير الأمثل لكتابة الأدب الذي يتجاوز الحدود والثقافات، تبقى العامية نافذة للتعبير عن الهوية المحلية والتفاصيل الإنسانية الدقيقة.

