د. عائشة بنت مفتي القرشي
تعرف المناطق الجافة حسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة الأراضي الجافة بناءً على مؤشر الجفاف: أي النسبة بين المعدل السنوي للهطولات والتبخر-النتح المحتمل، حيث ينخفض مؤشر الجفاف في المناطق الجافة عن 0.65. وتشكل الأراضي الجافة حوالي 41% من مساحة الأراضي حول العالم.
تتميز المناطق الجافة وشبه الجافة، كما هي معظم الدول العربية عامةً والخليج خاصةً، بخصائص هيدرولوجية تختلف عن تلك في المناطق الاستوائية والمطيرة التي تكثر فيها الأمطار طوال السنة أو لها مواسم معينة عُرفت بها. هذه الخصائص مهم جدًا فهمها بعمق حيث إن لها تأثيرًا كبيرًا عند تحليل البيانات الهيدرولوجية والدراسات المعتمدة عليها، أو استخدام برامج النمذجة المناسبة للمناطق الجافة، فبعضها صُمم باستخدام معادلات وفرضيات لا تتناسب مع طبيعة الهيدرولوجيا في المناطق الجافة، وبالتالي النتائج قد تكون غير دقيقة أو مموهة لمن ليس خبيرًا بالمنطقة، مما قد يؤثر على الخطط المستقبلية واتخاذ القرارات المناسبة فيما يخص إدارة الموارد المائية بصفة عامة وأثناء الأزمات كالجفاف والفيضانات المدمرة بصفة خاصة.
إن مناخ المناطق الجافة يتميز بارتفاع درجات الحرارة (قد تصل إلى أكثر من 45 درجة مئوية في الصيف) ومتوسط عدد ساعات شمس طويلة، مما يؤثر على الأمطار ونمطها وشدتها والجريان السطحي، ويتسبب بزيادة كمية التبخر والنتح الذي قد يصل إلى أكثر من 80% من كمية الهطول المطري، مما يجعل من بعض المشاريع كالسدود التخزينية في مناطق معينة على سبيل المثال لا الحصر أقل جدوى اقتصاديًا.
تعتبر الأمطار أحد أهم مدخلات الموارد المائية والأساسية سواء أكانت سطحية أم جوفية، وتتميز بأنها منخفضة جدًا في المناطق الجافة، فمتوسط الأمطار قد يقل عن 100 ملم في السنة وقد تكون سقطت في أيام معدودة فقط وليس على مدار العام، كما تتفاوت في الزمان والمكان من بقعة لأخرى وفي نفس المنطقة بطريقة كبيرة جدًا، فقد ترى هطولًا في بقعة معينة وعلى بعد أقل من كيلومتر واحد لا يوجد شيء في التو واللحظة. وعليه، تبين الدراسات أنها تحتاج إلى كثافة أعلى بكثير من الدول الباردة والرطبة التي تتوزع فيها الأمطار بتساوي أكثر؛ كثافة قد تصل إلى محطة كل 500 متر كما أوصى بعض العلماء المختصين من أجل بيانات ذات تغطية متكاملة، وحتى لا نتفاجأ بفيضان دون تسجيل أي أمطار في أي محطة قياس، مع ملاحظة أن المناطق الجافة لا يوجد فيها أربعة فصول مميزة كما في المناطق المطيرة والباردة وبخصائص هيدرولوجية واضحة، لذلك نجد أنه يمكن تقسيم السنة “هيدرولوجيًا” إلى شتاء وصيف فقط، ومن ثم التحليل الهيدرولوجي بناءً على ذلك كما في بعض البلدان، حيث وجد أن أمطار الصيف تختلف في شدتها وتوزيعها عنها في الشتاء حسب ما تبين الدراسات، وبناءً على مسببات الحدث، مع الأخذ بعين الاعتبار العوامل الأخرى التي تسبب الأمطار وتؤثر على شدتها بالطبع.
أما الجريان السطحي فمن المعروف أن المجاري المائية (الأودية) جافة طوال العام عدا عند سقوط الأمطار بشدة ومن ثم الفيضانات العارمة كنتيجة، عكس المناطق المطيرة حيث الأنهار دائمة الجريان وترتفع فيها مستويات المياه بطريقة بطيئة عادة كما يبين شكل الهيدروغراف وتزداد فيها عامة كمية الجريان السطحي أدنى الحوض، عكس المناطق الجافة حيث تقل كمية الفيضان وسرعته، وقد يختفي قبل الوصول إلى أسفل الحوض في حالة الفيضانات الصغيرة خاصة، وكون الأمطار قد تكون أعلى الحوض فقط مع معدل النفاذية المرتفع جدًا.
الجريان السطحي يتأثر بالأمطار وخصائصها وشدتها وفترة الهطول وموقعه، وبالتالي يتميز الجريان السطحي بالتفاوت في الزمان والمكان كما الأمطار، حيث قد يكون نتيجة هطول مطري في جزء معين فقط من الحوض المائي، بالإضافة إلى تأثير خصائص المنطقة الجيولوجية أو الطوبوغرافية واستخدام الأرض والذي يؤثر بدوره في طبيعة الفيضانات وخطورتها وسرعتها، آخذين بعين الاعتبار أن الغطاء النباتي يكاد يكون معدومًا في المناطق الجافة عكس المطيرة، مما يؤثر على الجريان السطحي وكمية التبخر والنتح، وأيضًا مقدار النفاذية والتسرب وتغذية المياه الجوفية.
هذه بعض من الاختلافات بين هيدرولوجيا المناطق الجافة مقارنة بالمناطق المطيرة وليس جميعها، لبيان كيف يمكن أن تؤثر على نتائج برامج النمذجة التي يجب اختيارها بما يتوافق مع خصائص المناطق الجافة عند الدراسات والتحليل الهيدرولوجي، وأيضًا عند تنفيذ مشاريع الحماية من الفيضانات والتخطيط العمراني، من أجل نتائج واقعية ومنطقية، وتنفيذ يتوافق مع ما تحتاجه المنطقة حسب خصائصها لضمان نجاحها على المدى الطويل.

