الوئام- خاص
يتزايَد صراع القوى العالمية الكبرى بشأن مناطق الثروات والنفوذ في أفريقيا، في ظلّ التحولات الكبرى التي تشهدها القارة السمراء، مع تراجع الدور الفرنسي الأمريكي، مقابل تزايد نفوذ روسيا والصين.
تحوُّلات واسعة
تقول الدكتورة غادة فؤاد، الباحثة في الشؤون الأفريقية، مديرة المركز الأفريقي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية: “تشهد القارة الأفريقية منذ عام 2020، تحولات متسارعة في علاقاتها الخارجية، وتغييرا لمناطق نفوذ القوى الدولية التقليدية، خاصةً بعد حالة الرفض الجماعي التي صاحبت الوجود الفرنسي في مستعمراتها القديمة بمنطقة الساحل الأفريقي، وما تبعها من طرد للقوات العسكرية الفرنسية، وكانت تشاد آخر من أعلنت في ديسمبر، إنهاء الاتفاقية الأمنية مع فرنسا من طرف واحد”.
وتضيف غادة فؤاد، في تصريحات خاصة لـ”الوئام”: “رحيل القوات الفرنسية عن تشاد مؤشر واضح على رغبة القيادات الأفريقية استغلال الغضب الشعبي تجاه الوجود الفرنسي على أراضيهم، لتحقيق هدفين أساسيين؛ الأول: التخلص من الهيمنة الفرنسية والانفتاح على شراكات جديدة، خاصة أنها لم تحقق لهم ما كان من المفترض أن تشهده بلادهم من تطور وتنمية”.

“أما الهدف الآخر، فهو ترسيخ وجودهم في الحكم، خاصة الأنظمة العسكرية التي جاءت بعد انقلابات عسكرية، ولم تجد شريكا لها آنذاك سوى روسيا التي استطاعت في فترة وجيزة استغلال هذه الأحداث لتقديم نفسها شريكا استراتيجيا، يمكنه تقديم المساعدات العسكرية والتدريب للقوات المسلحة الوطنية في تلك الدول، وغيرها من الأنظمة الحاكمة الهشّة في وسط وغرب أفريقيا”، وفق الباحثة في الشؤون الأفريقية.
نفوذ روسيا والصين
وتتابع غادة فؤاد: “مع ما تحقق من بعض الإنجازات في مواجهة الحركات المتطرفة والمتمردة في مالي وأفريقيا الوسطى، وغيرهما من الدول، ومع فرض العقوبات الاقتصادية من قبل القوى الغربية، برئاسة الولايات المتحدة وفرنسا، قدَّمت روسيا المعونات الغذائية، بما في ذلك الحبوب، دون مقابل لتلك الدول الهشّة اقتصاديا، مما جعل النفوذ الروسي يزداد يوما بعد يوما”.
لكن يبدو أن الصين بدأت تشعر بالقلق من هذا التقارب، لذلك حاولت بكين أن توسّع وتمدّد مجالات شراكاتها وتعاونها مع الجانب الأفريقي، فيما هو أبعد مِن المجالات التقليدية التي تشمل المشروعات التنموية والبنى التحتية، لتشمل التدريب والتأهيل لعدد كبير من القيادات العسكرية الأفريقية في الصين، وهنا إشارة واضحة للتنافس الصيني الروسي، وليس الروسي الغربي فقط، خلال العام المقبل في أفريقيا.
إهمال أفريقيا
وتوضح: “لم تهتم الإدارات الأمريكية بالقارة الأفريقية، وغابت عن أولويات السياسة الخارجية مؤخرا، بالرغم من الزيارات المتفرقة التي قام بها بعض المسؤولين الأمريكيين، لكن هذا الوضع قد يتغير مع الإدارة الجديدة للبيت الأبيض، إذ جاءت معظم خيارات وترشيحات دونالد ترمب لفريق العمل المعاون له، من رجال الأعمال والمستثمرين؛ وعلى رأسهم إيلون ماسك، وهؤلاء يُدركون جيدا أهمية موارد القارة الأفريقية من الثروات النفطية وغير النفطية والثروات التعدينية، ناهيك بالثروة البشرية الهائلة التي تمثّل سوقا كبيرة للشركات وأصحاب رؤوس الأموال”.

وتؤكّد الباحثة السياسية أن فرنسا لن تستسلم حتى بعد خروجها من مناطق نفوذها المعتادة، بل على العكس، فقد بدأت منذ الآن في السعي لعقد شراكات مع دول أخرى في مناطق الأنجلوفون من الدول الناطقة باللغة الإنجليزية، وكان أهمّها توطيد العلاقات مع نيجيريا، الدولة النفطية الكبرى والأكثر كثافة سكانية في القارة، بالإضافة إلى زيارة إيمانويل ماكرون الأخيرة لإثيوبيا، وتصريحاته المثيرة بشأن طلب إثيوبيا النفاذ لمياه البحر الأحمر، مما يؤدي إلى مزيدٍ من التوترات بين دول القرن الأفريقي.
وأمام هذا التنافس بين القوى الدولية، سواءً الرغبة في الحفاظ على النفوذ في القارة أو استعادته، ترى غادة فؤاد أنّ العديد من المناطق في أفريقيا سوف تشهد مزيدا من القلاقل والتوترات خلال العام المقبل، إذا لم يحسن القادة الأفارقة إدارة هذا التكالب على القارة، بما يخدم مصالح شعوبها، خاصّةً الشباب الذين مِن السهل تجنيدهم في الحركات المتطرفة أو المتمردة، نتيجة مستويات التنمية المنخفضة.

