هشام الجاسر
مهتم في المجال النفسي والثقافي
يعتقد كثيرون أنّ القلق الاجتماعي أو نقص الثقة بالنفس مسألةٌ مرتبطةٌ بضعف المهارات أو نقص الخبرة، ولكن ثمّة بُعدٌ عصبيٌّ مهمٌّ يكشف لنا جذور هذه المشاعر.
في عمق الدماغ، توجد بُنيةٌ صغيرةٌ تُدعى اللوزة الدماغية (Amygdala)، تُعدّ المسؤول الأول عن استقبال المواقف المثيرة للخوف أو التهديد، ثمّ تحويلها إلى إشارات إنذار تحفّز الجسم على وضعية الاستعداد للنجاة.
وما يمنح الأميغدالا نفوذًا استثنائيًا هو قُربها من مراكز الذاكرة، إذ تحتفظ بالمشاعر القوية المرتبطة بالتجارب السابقة، لا سيما المؤلمة أو المخيفة منها.
في مرحلة الطفولة، قد نتعرّض للتنمّر أو نعيش في ظروفٍ قاسيةٍ تفتقر للأمان. فتتكوّن حينها روابط عاطفية متينة بين شعور الخوف وعناصر مختلفة: سماتٌ شخصية، مواقف اجتماعية، أو حتى ردود أفعالٍ من المحيطين بنا.
على سبيل المثال، قد نشعر بالتهديد إذا صادفنا شخصًا يذكّرنا بحادثة تنمّر قديمة، أو استهزاءٍ بنا عندما شاركنا فكرةً أو نكتة. وفي البيئات التي تفتقر للدعم، تتضخّم هذه المشاعر السلبيّة حتى نصدّقها كحقيقةٍ عن أنفسنا.
وعند أدنى محفّز مرتبط بهذه الذكرى – قد يكون كلمةً عابرة أو نظرةً أو نبرة صوتٍ مألوف – تُسارع الأميغدالا إلى إطلاق إنذار الخطر، خوفًا من تكرار تجربة النبذ أو الانتقاص من المكانة.
ما إن تلتقط الأميغدالا هذا التشابه بين الماضي والحاضر، حتى تُطلق شارة التأهّب دون تردّد؛ فتتصاعد مشاعر القلق على سطح تصرّفاتنا، ويطفو الخوف على سلوكياتنا، فيتراجع حسّنا الفكاهي وبديهتنا وقدرتنا على التعبير التلقائي. وهكذا تتوارى جوانب شخصيتنا الحقيقية تحت وطأة الخوف من تكرار الجرح القديم.
لنكبّر العدسة أكثر ونرى كيف تحيك الأميغدالا سيناريو الخوف: بمجرّد أن تلتقط هذه البُنية العصبية إشاراتٍ تذكّرها بخطرٍ محتمل، تُطلق سلسلةً كيميائية تدفع الجسم لإفراز هرموناتٍ مثل الأدرينالين والكورتيزول، فيبدأ الإنسان بالاستعداد التلقائي للهروب (Flight)، أو الهجوم (Fight)، أو التجمّد (Freeze).
وقد أضاف بعض الخبراء في علم النفس – وفي مقدّمتهم المعالج النفسي بيت ووكر (Pete Walker) – استجابةً رابعة تُسمّى المهادنة (Fawn)، حيث يبذل الفرد كل جهده لإرضاء من حوله اتّقاءً لأي رفضٍ أو صدام.
في هذه اللحظة، يدخل الشخص حالة تأهّبٍ عالية؛ يراقب تصرّفاته وكأنّ الأضواء كلّها مُسلَّطةٌ على هفواته، وينتابه شعورٌ بالذنب أو الرهبة من أن تؤدّي أبسط مبادرةٍ إلى رفضه اجتماعيًا. عندها، يلوذ بسلوك الاسترضاء: قد يضحك بلا سببٍ مقنع، أو يُظهر حماسًا مُصطنعًا فقط لنيل القبول.
وحينئذٍ، لا يعود العقل معنيًّا بشيءٍ سوى “النجاة”، فتضيق مساحات الإبداع والتواصل الممتع، بينما يتفاقم التوتّر والارتباك، ويعلو صوت التحذير الداخلي: “احذر! أنت في خطر.”
هل راودك يومًا شعورٌ بأنّ شخصيتك قد تلاشت، وأنّ القلق هو من يتحكّم في دماغك بتوجيهٍ من الأميغدالا؟ في تلك اللحظات، يصبح من الصعب التصرف على سجيتك؛ فيغيب الانتباه، ويتراجع الحضور الذهني، ويفقد حديثك سلاسته وعفويته. يتحوّل كل تواصلٍ مع الآخرين إلى جهدٍ مُرهق للجسد والذهن؛ فلا تحظى بتغذيةٍ راجعةٍ إيجابيةٍ من محيطك، بل يشتدّ شعورك بالألم نتيجة استجابة جسمك المبالَغ فيها للتوتر.
تظهر هذه الحالة غالبًا عند التعامل مع شخصٍ واثقٍ جدًا، أو بحضور المدير وأصحاب السلطة، أو عند مواجهة الجنس المغاير, او امام الجمهور . حينئذٍ، تهيمن استجابات المهادنة ( (fawn أو الهروب (fly)، فيضيق مجال التعبير الحرّ، وتُطمس ملامح شخصيتك الحقيقية تحت عبء الخوف من الرفض أو النبذ الاجتماعي.
مع تكرار هذه الاستجابات في مواقفٍ اجتماعيةٍ اعتيادية، تبدأ الثقة بالنفس بالتآكل تدريجيًا، ويتضخّم الخوف من مجرّد “نواة” صغيرة إلى قيدٍ ثقيل يعرقل كل لقاءٍ أو حوارٍ جديد.
فينتاب الفرد إحساسٌ دائمٌ بأنّه تحت مجهر الآخرين، فيرتبك في الحديث، وربما يزداد ارتباكه الفعلي فيقع في مزيدٍ من الأخطاء.
وهكذا ينساق إلى دوّامةٍ لا تنتهي من الأفكار السلبية والانسحاب وجلد الذات.ومع مرور الوقت، يتوغّل هذا الشعور في أعماق الشخصية، فتميل إلى الهشاشة تحت وطأة المخاوف المهيمنة.
والجميل في الأمر أنّه ما إن تستعيد الأميغدالا توازنها وتتعلّم تقييم المواقف الاجتماعية كما هي فعلًا – بعيدًا عن شبح الماضي – ستدرك أنّ المشكلة لم تكن أبدًا نقصًا في مهاراتك أو عيبًا في شخصيتك، بل كانت خللًا مؤقّتًا في آلية الاستجابة للخطر.
وما إن تنتظم الكيمياء العصبية ويتوقّف الإنذار الخاطئ، ستزدهر قدراتك وسماتك الحقيقية من جديد، فتظهر شخصيّتك بعفويّتها وذكائها وكأنّك وكأنّك تتعرّف عليها لأول مرة
في حال مررت بأوقاتٍ تشعر فيها بالارتباك أو الانطفاء أو تكرار استجابات القلق، فاعلم أنّ التعامل معها اليوم أسهل من الماضي بكثير، إذ حدث تقدّمٌ كبير في فهم آلية عمل الدماغ وكيفية إعادة توجيه الاستجابات العاطفية.
لا تتردد في اتخاذ الخطوة المناسبة لك؛ فقد يكون الحلّ أقرب وأبسط مما تعتقد. سواءً كان ذلك باللجوء إلى التعرّض التدريجي أو العلاج المعرفي السلوكي أو ببعض التدخّلات الدوائية تحت إشراف طبيب مختص، فإنّ الوجه الحقيقي لشخصيتك ينتظر أن تزيل عنه غبار الخوف وقيود القلق.
دعني أصارحك: إنَّ السعي نحو علاقاتٍ أفضل، أو ترقيةٍ مهنية، أو حتى جودة حياةٍ أعلى يظلّ أمرًا عسيرًا ما دمنا أسرى لاستجابةٍ عصبيةٍ خاطئة.
فحين تُفعّل الأميغدالا إنذارها عند كل موقفٍ مقلقٍ أو تفاعلٍ اجتماعي مُربك، ندور في حلقةٍ مفرغةٍ من الخوف والتوتّر؛ نفقد معها القدرة على المبادرة وتطوير الذات، ونفوّت فرصًا ثمينةً لبناء علاقاتٍ هادفة وتحقيق نجاحاتٍ مهنية.
باختصار، عندما يهيمن القلق على أفكارنا وسلوكياتنا، نصبح رهائن لكيمياءٍ دماغيةٍ تتجاوز إرادتنا الواعية، وتتحكّم بمسارنا اليومي.
بإمكانك أن تتعلّم كثيرًا من المهارات الاجتماعية وتحفظ عشرات الحوارات والمفردات، لكنّ هذا كلّه لن يثمر تطوّرًا ملموسًا ما دامت الأميغدالا تستشعر الخطر وتطلق إنذارها عند كل تفاعلٍ اجتماعي تعتبره تهديدًا.
بمعنى آخر، يظلّ الخوف يُعرقل تقدّمك ويمنعك من توظيف ما تعلمته بشكلٍ فعّال، إلى أن تُخاطب جذور المشكلة وتعيد برمجة استجابتك الداخلية للمواقف، فتصير أكثر اتّزانًا وأقلّ ذعرًا.
تذكّر أنّ إعادة توجيه استجاباتك واستعادة توازنك الداخلي لا تعني فقط عودة شخصيّتك كما كانت، بل تفتح أمامك آفاقًا أوسع للنجاح والراحة النفسية وتحقيق الأهداف.
إنّ كل خطوةٍ تخطوها لكسر دائرة القلق وترويض الأميغدالا تمثّل استثمارًا مباشرًا في جودة حياتك فحين تستعيد زمام تفاعلاتك وتمنح نفسك حق التحرّر من قيود الخوف، تكتشف أنّ لديك من الإمكانات والقدرات ما هو أعظم بكثير مما كنت تتصوّر.

