الدكتور فيصل الشمري- كاتب ومحلل سياسي مختص بالشأن الأمريكي
منذ سنوات، تروج بعض الجهات لفكرة أن العالم قادر على الاستغناء عن الوقود الأحفوري بالكامل، واستبداله بالطاقة المتجددة. تبدو هذه الفكرة جذابة من الناحية النظرية، لكنها تصطدم بواقع لا يمكن تجاوزه. فحتى مصادر الطاقة التي يُفترض أنها بدائل نظيفة، مثل الرياح والشمس، تعتمد بشكل أساسي على الوقود الأحفوري في إنتاجها وتشغيلها. والسؤال هنا: هل يمكن بناء مستقبل مستدام يقوم على أساس خرافة؟
لنأخذ مثالًا بسيطًا: توربينات الرياح والألواح الشمسية، التي تعتبر رموزًا للطاقة المتجددة، مصنوعة من الألياف الزجاجية والبلاستيك، وهما مشتقات بترولية. أي أن عملية تصنيع هذه التقنيات تحتاج إلى الوقود الأحفوري منذ لحظة استخراج المواد الخام وحتى وصولها إلى مرحلة التشغيل.
لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فهناك معضلة أكثر تعقيدًا تتعلق بطبيعة هذه المصادر نفسها. فالطاقة الشمسية تعتمد على توفر أشعة الشمس، وطاقة الرياح تحتاج إلى سرعة رياح مناسبة. لكن ماذا يحدث في الأيام الغائمة أو عندما تهدأ الرياح؟ هنا يأتي دور الوقود الأحفوري مرة أخرى، حيث يكون البديل الوحيد المتاح للحفاظ على استقرار إمدادات الكهرباء، إلا إذا كنا نتحدث عن الطاقة النووية، التي لا تزال خيارًا محدود الانتشار.
لنتحدث بواقعية أكثر. تخيل أنك في مستشفى، حيث يحتاج المرضى إلى أجهزة تنفس صناعي، وغرف العمليات تعتمد على معدات دقيقة تتطلب كهرباء مستقرة. هل يمكن ترك حياة البشر رهينة مصادر طاقة غير مضمونة؟
هذا ليس سيناريو خياليًا، بل حقيقة تعيشها بعض الدول التي اعتمدت بشكل مفرط على مصادر الطاقة المتجددة دون وجود بدائل موثوقة. في أوقات الذروة، عندما يزداد الطلب على الكهرباء، تضطر هذه الدول إلى اللجوء إلى الفحم أو الغاز الطبيعي لتعويض العجز. والنتيجة؟ مزيج من التناقضات بين الشعارات البيئية والسياسات العملية.
لا يمكن فصل الوقود الأحفوري عن التطور الذي شهدته البشرية خلال القرنين الماضيين. وفقًا للعالم فاكلاف سميل، أحد أبرز خبراء الطاقة في العالم، فإن الوقود الأحفوري هو المحرك الأساسي لكل تقدم شهدته الحضارة الحديثة.
تشير أبحاثه إلى أن كمية الطاقة المتاحة لكل إنسان ارتفعت بمقدار 700 ضعف منذ عام 1800، ما يعني أن نمط الحياة الحديث لم يكن ليصبح ممكنًا بدون هذه المصادر. من تسهيل النقل إلى تشغيل المصانع، ومن تأمين الغذاء إلى تطوير التقنيات الحديثة، كل شيء في حياتنا اليوم مرتبط بشكل أو بآخر بالوقود الأحفوري.
بل إن مستويات الرفاهية التي نعيشها اليوم تفوق بكثير ما كان متاحًا حتى لأكثر الملوك نفوذًا في الماضي. الملك الفرنسي لويس الرابع عشر، الذي كان يُعتبر في زمانه رمزًا للترف، لم يكن يملك وسائل النقل المريحة، ولا التدفئة المركزية، ولا حتى القدرة على السفر بسرعة تفوق سرعة حصانه. أما اليوم، فإن المواطن العادي يتمتع برفاهية تفوق ما كان متاحًا لأعظم ملوك أوروبا في القرون الماضية.
المثير للسخرية أن الذين يطالبون بالاستغناء عن الوقود الأحفوري يستخدمون تقنيات تعتمد عليه بشكل كامل. من الهواتف الذكية إلى السيارات الكهربائية، ومن الطائرات إلى المستشفيات، لا يوجد قطاع واحد في حياتنا الحديثة يمكنه العمل دون وجود النفط والغاز.
إن العالم الذي يسوّقه البعض، عالم بلا نفط، ليس حلمًا ورديًا، بل كابوسًا اقتصاديًا وإنسانيًا. بدون الوقود الأحفوري، ستنهار سلاسل الإمداد، وستتوقف الصناعات الثقيلة، وسنشهد ارتفاعًا غير مسبوق في تكلفة المعيشة، مما سيؤدي إلى موجة من الفقر والمجاعات.
لكن التحدي الأكبر ليس اقتصاديًا فقط، بل استراتيجي أيضًا. فدول مثل الصين والهند لا تزال توسع استثماراتها في الطاقة الأحفورية، لأنها تدرك أن التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق عبر مصادر متقطعة وغير موثوقة. أما في المملكة العربية السعودية، فالنهج أكثر توازنًا وواقعية.
لطالما كانت المملكة لاعبًا رئيسيًا في قطاع الطاقة العالمي، لكن الرؤية هنا ليست أحادية الجانب. فمن جهة، تدرك القيادة السعودية أهمية تطوير تقنيات الطاقة المتجددة والاستثمار فيها، كما يتجلى ذلك في مشاريع مثل “نيوم”، التي تعتمد على حلول مبتكرة لتوفير الطاقة.
ومن جهة أخرى، هناك وعي بأن التحول لا يمكن أن يكون قفزة في المجهول، بل عملية تدريجية تعتمد على مزيج من المصادر التقليدية والمتجددة لضمان استقرار الاقتصاد واستمرار التنمية.
إن الحديث عن مستقبل بلا وقود أحفوري ليس أكثر من خيال غير قابل للتطبيق. الطاقة ليست مجرد سلعة اقتصادية، بل هي عنصر استراتيجي في استقرار الدول. والمملكة تدرك أن الطريق نحو المستقبل يتطلب عقلانية وواقعية، وليس شعارات جوفاء لا تصمد أمام اختبار الواقع.
إذا كان هناك من يريد العودة إلى عصر الحياة البدائية، حيث كان الإنسان يقضي يومه في الكدح لتأمين قوت يومه، فهذا خياره الشخصي. لكن الحقيقة هي أن الحضارة الحديثة لم تكن لتُبنى دون الوقود الأحفوري، ولن تستمر بدونه في المستقبل القريب.
الطريق إلى مستقبل أكثر استدامة لا يكون بإنكار الواقع، بل بفهمه والعمل وفق معطياته. والمملكة، كما أثبتت عبر العقود، تدرك هذه الحقيقة جيدًا، وتسير بخطى ثابتة نحو نموذج طاقة متوازن يجمع بين الابتكار والاستدامة، دون التخلي عن الركائز التي قامت عليها الحضارة الحديثة.

