الدكتورة مها الجبر
دكتوراه في فلسفة الاتصال والإعلام الرقمي
“من اعتاد القلق ظنّ الطمأنينة فخ”؛ تعوّدنا على سماع هذه العبارة بمختلف ترجماتها وصياغاتها، لكن المعنى واحد ويتضمن أن الاعتياد يجلب الريبة حول التغيير. وأن الأصل في الشعور هو القلق، بينما الطمأنينة شيء عارض ولأهداف مُحددة.
هذا بغض النظر عن أن شعور القلق لا يظهر إلا في فترة المراهقة ويبدأ يُمارس ضغوطه على المرء (وفي فيلم Inside Out2 وصف دقيق ومُشاهد لما يُحدثه القلق).
كما أننا لو نظرنا إلى فحوى النصّ والذي بدأ يأخذ منحى هزليًا في التداول، ليصبح شائعًا كشكلٍ من اشكال النكتة مع كلّ لطفٍ يُصادفنا، فسنجده يُظهر الحياة بمجملها فقدان للطمأنينة، بما فيها التعامل مع الآخرين بكافة تصنيفاتهم الاجتماعية؛ إخوة أو أصدقاء أو زملاء …إلخ.
ورُغم أن هذا أحد تأثيرات الإعلام ـ برأيي ـ حيث سوّق المستخدمون للفكرة في تعليقاتهم وردود أفعالهم مما جعل العادي هو اعتيادك لما يؤذيك، بينما اللطف والودّ استثناء.
السبب في الحديث عن العبارة ليس أثرها وإنما ما أراه من بعدٍ أكثر عمقًا من ظاهرها. وهو ضرر الاعتياد، والبقاء في المساحة الآمنة التي تجعل المرء يرهب كُلّ تغيير ويتوهم فيه ضررًا لا يوجد إلا في خياله.
رغم أن التغيير نظام كوني، يحدث في الساعة واليوم والشهر ..إلخ، ويحدث في جسم الإنسان مع مكونات حياته كافة (طعام ـ هواء ـ طبيعة …). بالإضافة إلى أنه من أوائل الدروس التي نتعلمها في مادة العلوم؛ التغيرات الفيزيائية والكيميائية، وأسباب كُل تغيير وفيما إذا كان تغيير في التركيب أو تغيير سطحي.
مثل هذه الدروس التي كانت تُعطى كنماذج للأشياء من حولنا كان من الأولى أن تُدرّس لنؤمن بأن التغيير طبيعة وأنه الأصل لينشأ المرء معتادًا على أن الاعتياد ـ وإن كان في رخاء وطمأنينة ـ آفة، بينما التغيير حاجة.

