فيصل الحمد
خبير استراتيجي وعسكري
وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الى المملكة العربية السعودية مستهلاً بذلك أولى زياراته الخارجية في ولايته الثانية. هذه الزيارة، التي تأتي في وقت حساس إقليميًا ودوليًا، تحمل دلالات عميقة، ليس فقط من حيث العلاقات الثنائية، بل من حيث التوجه الاستراتيجي تجاه الشرق الأوسط.
اختيار ترامب لعاصمة القرار العربي والإسلامي كبداية يعيد إلى الأذهان زيارته الأولى عام 2017، حين افتتح ولايته الأولى من الرياض في حدث استثنائي. في تلك الزيارة، أعاد ترامب الأضواء إلى الشرق الأوسط بعد مرحلة من الابتعاد الأمريكي النسبي عن المنطقة خلال عهد إدارة أوباما، وهو ما أعاد التأكيد على أن واشنطن ما زالت ترى في هذه المنطقة موقعًا مهماً في معادلة الأمن العالمي. أما زيارته الحالية، فتأتي لتؤكد أن الشرق الأوسط لا يزال يحتل موقعًا مهمًا في الاستراتيجية الأمريكية.
العودة إلى السعودية تحمل طابعًا مختلفًا؛ فترامب يدخل فترته الثانية محملاً بخبرة سياسية أوسع، وتوجه أكثر وضوحًا نحو إعادة ترتيب التحالفات على أسس جديدة تتجاوز الأطر التقليدية. زيارة عام 2017 ركزت على مكافحة الإرهاب ومواجهة النفوذ الإيراني، إلى جانب الاستثمارات الاقتصادية والصفقات العسكرية. أما اليوم، فالمشهد الاقليمي متغير، في ظل تهدئة نسبية في الملف الإيراني، وتغير الوضع السياسي والعسكري في كلاً من لبنان وسوريا، تتجه الأنظار نحو ملفات جديدة تتعلق بالتقنية، الطاقة النظيفة، والأمن السيبراني.
من المتوقع أن يبحث الجانبان فرص توسيع التعاون في عدة مجالات استراتيجية، من بينها الدفاع، وتوسيع الشراكات الاقتصادية نحو الطاقة المتجددة، ومشاريع البنية التحتية. كما أن التحولات الجيوسياسية العالمية، خصوصًا في ظل صعود الصين وتنامي النفوذ الروسي، تضع على الطاولة نقاشًا حول دور السعودية كشريك موثوق في التوازن الدولي الذي تسعى واشنطن لإعادة ضبطه.
سياسيًا، قد تعود قضية السلام في الشرق الأوسط إلى الواجهة عبر سعي ترامب بمواصلة ارثه السياسي من خلال “المعاهدة الإبراهيمية”، والتي قد يسعى لإقناع الرياض بالانضمام لها. السعودية، بما تملكه من ثقل سياسي وديني تبقى طرفًا محوريًا في أي صيغة إقليمية جديدة ويبقى موقفها واضح وصريح: دولة فلسطينية مقابل الاعتراف.
ختاماُ، زيارة ترامب الحالية ليست تكرارًا لزيارته السابقة، بل امتداد لها، وتحديث في مضمونها. هي زيارة تعيد تأكيد الالتزام الأمريكي بالمنطقة، وتدفع باتجاه تحالف متطور يتجاوز المفاهيم القديمة المبنية على النفط والسلاح، نحو شراكة طويلة الأمد تبني على المصالح المشتركة وتواجه تحديات المستقبل.

