في تطور لافت ضمن سياسة إعادة تسليحها، كشفت اليابان عن قاعدة صاروخية بارزة في جزيرة أوكيناوا، تمثل جزءًا من خطة دفاعية واسعة لمواجهة تصاعد النفوذ العسكري الصيني، وتوجيه رسالة واضحة أيضًا إلى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن التزام طوكيو المتزايد بأمنها الإقليمي.
فعلى قمة تل مكشوف في أوكيناوا، يتمركز فوج الصواريخ السابع التابع لقوات الدفاع الذاتي البرية اليابانية، مدججًا بمنصات إطلاق صواريخ مضادة للسفن من طراز Type-12 محمولة على شاحنات خضراء داكنة يسهل إخفاؤها، إلا أن السلطات اليابانية لا تحاول إخفاءها إطلاقًا. ووفقًا للعقيد يوهي إيتو، قائد الفوج، فإن هذا العرض العسكري العلني مقصود: “أسلحتنا تُظهر قوتنا لردع أي عدو من التفكير في الهجوم”.
ورغم أن الصين هي الهدف الأول لهذه الاستعراضات، فإن الرسالة موجهة أيضًا إلى الرئيس الأمريكي ترامب، الذي سبق أن انتقد اليابان لاعتمادها المفرط على القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة على أراضيها.
وتأتي هذه الخطوات العسكرية بينما تتفاوض طوكيو وواشنطن على رفع رسوم جمركية جديدة فرضتها الولايات المتحدة، حيث تُقدم اليابان عروضًا لشراء كميات ضخمة من الطاقة، والرقائق الإلكترونية، والأسلحة الأمريكية. فبالنسبة لليابان، أولوية الأمن تتقدم على الاقتصاد.
تحديث استراتيجي… وتحول في العقيدة العسكرية
في ظل قلق متصاعد من تنامي قدرات الصين وكوريا الشمالية، تبنت اليابان توجهًا جديدًا قائمًا على تعزيز تحالفها مع الولايات المتحدة لتصبح شريكًا عسكريًا فعليًا، متخلية تدريجيًا عن سياستها السلمية التي تبنتها بعد الحرب العالمية الثانية. وقد أعلن رئيس الوزراء السابق فوميو كيشيدا عام 2022 مضاعفة ميزانية الدفاع لتصل إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي أكبر زيادة في الإنفاق الدفاعي منذ عقود.
تقوم اليابان حاليًا بشراء منظومات تسليحية متقدمة من الولايات المتحدة، من بينها المقاتلة الشبح F-35B وصواريخ “توماهوك” القادرة على ضرب أهداف في العمق المعادي، وهو تحول تاريخي في العقيدة العسكرية اليابانية منذ عام 1945.
وفي الوقت ذاته، تستثمر طوكيو بشكل متسارع في صناعتها الدفاعية المحلية. فقد عرضت مؤخرًا في معرض دفاعي قرب طوكيو صواريخ فرط صوتية، ونظام ليزري مضاد للطائرات المسيّرة، ومقاتلة متطورة ستُنتج بالتعاون مع بريطانيا وإيطاليا.
شراكة تتعمق… وخطط مشتركة للحرب
وقد أثنى وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسث على الخطط اليابانية لإنشاء “مركز قيادة مشترك للعمليات القتالية” في طوكيو يعمل فيه قادة يابانيون وأميركيون جنبًا إلى جنب، في ما وصفه بخطوة نوعية لتعزيز الجاهزية المشتركة.
وصرح وزير الدفاع الياباني جين ناكاتاني بعد لقائه هيغسث قائلًا: “نبذل جهودًا حثيثة لتقوية قدراتنا الدفاعية، لأننا نواجه أخطر بيئة أمنية منذ نهاية الحرب”.
قلق من عزلة أميركية محتملة… وتحركات احتياطية
رغم مؤشرات الدعم من شخصيات أميركية متشددة مثل وزير الخارجية ماركو روبيو، لا يزال القلق يخيّم على طوكيو من احتمال تبني ترامب سياسة انعزالية، أو حتى إبرام صفقة كبرى مع الرئيس الصيني شي جين بينغ تضع اليابان ضمن نطاق النفوذ الصيني.
ويقول البروفيسور ساتورو موري من جامعة كيو في طوكيو: “علينا أن نقنع ترامب ومعسكر MAGA أن اليابان حليف لا يمكن التفريط به”.
كما يطالب بعض صناع القرار اليابانيين بوجود أميركي نووي رمزي في المنطقة، كوسيلة ردع في وجه الترسانتين النوويتين الصينية والكورية الشمالية. وقال الفريق المتقاعد كويتشي إيسوبي: “الولايات المتحدة لا غنى عنها لتوفير مظلة الردع النووي”.
تحالفات متعددة وخيارات نووية افتراضية
في حال ساءت العلاقة مع واشنطن، تحتفظ اليابان بخطة بديلة، إذ تمتلك مخزونًا ضخمًا من البلوتونيوم الناتج عن برنامجها النووي المدني، ما يتيح لها نظريًا امتلاك سلاح نووي، رغم أن ذكرى هيروشيما وناغازاكي لا تزال حاجزًا أخلاقيًا قويًا.
وفي إطار تنويع تحالفاتها، تطور اليابان علاقات دفاعية مع بريطانيا وإيطاليا وأستراليا، وقد أرسلت مؤخرًا سفينة حربية وجنودًا إلى الفلبين للمشاركة في مناورة عسكرية دولية، لأول مرة في تاريخها الحديث.
في قلب الاستعدادات… قاعدة كاتسورين
في قاعدة كاتسورين القريبة من أكبر قاعدة بحرية أميركية في أوكيناوا، يتمركز الفوج السابع الياباني، الذي بات محط اهتمام من مشاة البحرية الأمريكية الذين يزورون القاعدة لدراسة استخدام صواريخ Type-12 القادرة على ضرب السفن من مسافة تتجاوز 160 كيلومترًا. وقال العقيد إيتو: “لدينا قدرات لم تكن متاحة للجيش الأمريكية سابقًا… لدينا الكثير لنعلّمه لهم”.

