عبود بن علي آل زاحم -خبير تدريب وتطوير
عضو الجمعية السعودية للموارد البشرية
Aboodalzahim@
في بيئات العمل، قد تمرّ بك لحظات تُعيد تشكيل نظرتك لمفهوم القيادة، بل تغيّر علاقتك بالعمل نفسه. وأنا هنا لا أتحدث عن “مدير” يوزّع المهام ويتابع تنفيذها، بل عن “قائد” يُعيد ترتيب أولويات الفريق ويمنحك الشعور بأنك لست مجرد موظف، بل شخص موثوق به، تُؤتمن على العمل، وتُحاسب على النتائج لا على التفاصيل. مررتُ بهذه التجربة حين عملت مع مدير مكلف في إحدى الإدارات. على لسان موظف في أول لقاء جمعني به، قال لي بكل هدوء وثقة: “لا ترجع لي إلا إذا فيه شيء مهم، أو ما قدرت تنجزه، أو فيه تحدي يستحق النقاش.” في لحظتها، لم أدرِ ما إذا كانت هذه العبارة تعني أنني تُركت وحدي، أم أنني للتو حصلت على أكبر دفعة ثقة في مسيرتي المهنية. لكنني أدركت لاحقًا أنها كانت نقطة تحوّل.
كان هذا المدير مختلفًا عن غيره. لم يكن من أولئك الذين يطلبون أن يُنسَّق معهم في كل صغيرة وكبيرة، ولم يكن يغيب عن المشهد. بل كان حاضرًا بروحه وغيابه في آن واحد. كان يعرف متى يتدخل ومتى ينسحب ليترك لك المساحة. لم يكن يتحدث كثيرًا، لكنه حين يتكلم تشعر أن كلماته مبنية على تجربة وثقة عميقة بمن أمامه. وحين قال لي تلك العبارة، لم أسمعها كتوجيه، بل كتحويل مسؤولية. لم يقل لي: “نفّذ”، بل قال لي ضمنًا: “قرّر، وواجه، وتحمل.” شعرت حينها بأنني مسؤول عن النتائج، لا مجرد منفذ للتعليمات. وكما قال الكاتب جون سي. ماكسويل: “القائد الجيد يعرف الطريق، أما القائد العظيم فيجعلك تمشيه بنفسك”.
في الأشهر التي تلت هذا اللقاء، بدأت أُدرك حجم الفرق بين أن تعمل وأنت تشعر أن أحدًا يُراقبك، وبين أن تعمل وأنت تعلم أن أحدًا يؤمن بك. الثقة تغيّر طريقة تفكيرك، بل تُحفزك على أن تتجاوز التوقعات. بدأت أتحمّل مسؤوليات أكبر، وأبادر بأفكار جديدة، ولم أعد أنتظر التعليمات. لم يكن هناك خوف من الخطأ، بل كان هناك تقدير للتجربة. كنت أعرف أن القائد لن يُحاسبني على التجريب، بل على التقصير في المحاولة.
بيئة العمل التي صنعها هذا المدير كانت بيئة مبنية على التمكين لا التقييد، على الإنصات لا الإملاء، على الإلهام لا الإشراف. لم نكن نشعر أننا مراقَبون، بل كنا نشعر أننا مؤتمنون. كان يتيح لكل فرد في الفريق أن يكون له أثر، ومساحة، وصوت. ومع مرور الوقت، بدأت ألاحظ كيف تغيّرت ديناميكية الفريق بأكمله. زادت المبادرات، قلّت الأخطاء الناتجة عن التردد، وارتفعت الروح المعنوية. لم يكن هذا وليد الصدفة، بل نتيجة قيادة تعرف كيف توزع الثقة، وتحمي بيئة العمل من الخوف والجمود. وكما قال كولن باول: “الثقة هي أعظم أدوات القيادة. إذا لم تكن تملكها، فلن يقودك أحد”.
لقد علّمني هذا القائد أن النجاح لا يأتي من التعليمات الدقيقة، بل من الشعور بأنك شريك في الهدف. جعلني أؤمن أن التفويض ليس انسحابًا من المسؤولية، بل هو قمة المسؤولية. لأن القائد الذي يُمكّنك من القرار، هو ذاته من يتحمّل نتائج اختياراتك، ويقف معك إن احتجت.
اليوم، حين أتأمل هذه التجربة، أدرك أنها لم تكن مجرد مرحلة عابرة في حياتي الوظيفية. لقد كانت تجربة شكّلت وعيي القيادي، وغيرت فكرتي عن الإدارة. لم تكن مجرد وظيفة أديتها، بل كانت محطة نضج، تعلمت فيها أن القائد الحقيقي هو من يرى فيك قدرتك، قبل أن تُثبتها. هو من يمنحك الثقة أولًا، لا كجائزة، بل كشرط مسبق للنجاح.
لذلك، إن كنتَ قائدًا، فلا تقلق بشأن التفاصيل الصغيرة، وابدأ بزرع الثقة في فريقك. لأن الفريق لا يصعد وحده، بل يقوده شخص من نوعٍ نادر، لا يتصدر المشهد ليُقال إنه القائد، بل يتراجع قليلًا ليرى الجميع وهم يحققون النجاح. فالقائد الحقيقي، لا يراقبك… بل يرفعك.

