عبود بن علي آل زاحم
خبير تدريب وتطوير المواهب
وعضو الجمعية السعودية للموارد البشرية
الثقة بالنفس ليست ترفًا نفسيًا ولا حالة مزاجية مؤقتة، بل هي حجر الأساس الذي يُبنى عليه كل نجاح حقيقي، خاصة في بيئة العمل. كثيرون يعتقدون أن الثقة تأتي بعد الإنجاز، ولكن الحقيقة التي تؤكدها التجارب هي أن الإنجاز غالبًا ما يأتي بعد الثقة. لا شيء يعرقل مسيرة الموظف الطموح أكثر من التردد في قدراته، أو تقليل الشأن من ذاته، أو انتظار من يمنحه الإذن كي يتكلم أو يبادر. في المكاتب المفتوحة والممرات الضيقة للاجتماعات، لا يُسمع الصوت الأكثر علمًا، بل يُسمع الصوت الأكثر وضوحًا. هذا الوضوح لا يُصنع بالضجيج بل بالثقة.
الثقة لا تعني الغرور ولا تجاهل النواقص، بل هي الوعي المتوازن بمواطن القوة والقدرة على تطوير مناطق التحسين دون جلد أو تقليل. الموظف الواثق من نفسه لا يخاف من الاعتراف بالخطأ، ولا يتهرب من التحديات، ولا يرتبك أمام المسؤوليات الكبيرة، لأنه يؤمن بأنه قادر على التعلم، وعلى المحاولة مرة واثنتين وعشرًا حتى يُتقن. هذه الثقة تمنح صاحبها هالة داخلية، يراها الزملاء والمديرون قبل أن يتكلم، ويشعرون بها في طريقة تعامله، في استعداده للمخاطرة المحسوبة، في هدوئه وقت الضغط، وفي إصراره حين يضيق الأفق.
هل هذا الكلام مجرد شعارات؟ أبدًا. كم من موظف كان يحمل مؤهلات عالية ومهارات فريدة، لكنه تراجع في الظل لأن صوته الداخلي كان مليئًا بالتشكيك. وكم من شخصٍ آخر، أقل خبرة، صنع لنفسه طريقًا لأنه آمن بأنه يستحق المحاولة. أحد المدراء الكبار قال مرة في لقاء: “أنا لا أبحث عن عباقرة فقط، بل أبحث عن من يؤمنون بقدرتهم على القيادة، ويعرفون كيف يطوّرون أنفسهم دون أن يُطلب منهم ذلك”. وهذا هو الفرق الجوهري بين الموظف الذي ينتظر فرصته، والموظف الذي يصنعها.
المثير في الثقة بالنفس أنها معدية، تُلهم من حولك، وترفع من سقف طموحات الفريق. وعندما تبدأ الإدارة في ملاحظة هذه الثقة، تُفتح لك الأبواب، وتُطلب مشورتك، وتُمنح مشاريع أكثر حساسية لأنهم يرون فيك شخصية يمكن الاعتماد عليها. وحتى لو وقعت، يثقون أنك ستنهض. ليست الثقة غطرسة، بل هي وعدٌ داخلي تلتزم به: “سأبذل كل جهدي، وسأتعلم إن لم أعرف، وسأنجح حتى وإن تأخرت خطواتي”.
في النهاية، كل ما تفعله في العمل يرتكز على هذا الشعور الجوهري: هل ترى نفسك أهلًا لما تعمل؟ هل تعتبر رأيك جديرًا بأن يُسمع؟ هل تؤمن أن لك مكانًا حقيقيًا هنا؟ حين تكون الإجابة “نعم”، تبدأ رحلة من نوع مختلف. رحلة لا تُقاس فقط بما حققته، بل بما تجاوزته من شكوك وصمت وتأجيل، لتقف اليوم بثقة، تقول: أنا هنا.. وأنا مستعد لأن أنجح.

