في خطوة تُعدّ من أبرز التحولات في السياسة الخارجية البريطانية منذ عقود، أعلن رئيس الوزراء كير ستارمر أن المملكة المتحدة ستعترف بدولة فلسطين خلال أسابيع، ما لم تبادر الحكومة الإسرائيلية إلى إنهاء الأزمة الإنسانية “المروعة” في غزة.
هذا الإعلان، الذي تزامن مع تصاعد المجاعة والمأساة الإنسانية في غزة، يضع الحكومة الإسرائيلية أمام اختبار دولي جديد، ويشير إلى تحوّل محوري في مواقف بريطانيا من النزاع الفلسطيني الإسرائيلي.
ستارمر يعلن موقفًا واضحًا
بعد عقد اجتماع طارئ لمجلس الوزراء البريطاني، أكد ستارمر أن اللحظة قد حانت لتغيير سياسة المملكة المتحدة بشأن حل الدولتين. وفي إنذار مباشر لحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وقال إن بريطانيا قد تعلن الاعتراف بفلسطين خلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر، ما لم توافق إسرائيل على وقف إطلاق النار والانخراط الجاد في مسار الدولتين.
تصفيق في الأمم المتحدة
ووفق ما نشرت الجارديان البريطانية فإنه خلال مؤتمر في الأمم المتحدة، قوبل إعلان وزير الخارجية ديفيد لامي بتصفيق من الحضور، ما عكس إدراكًا دوليًا لأهمية هذا التحول البريطاني.
وقد واجه ستارمر ضغوطًا متزايدة من وزرائه والنواب داخل حزبه، حيث وقّع أكثر من 250 نائبًا رسالة تطالبه بالاعتراف بدولة فلسطين. كما دفعت التقارير المروعة حول المجاعة في غزة الحكومة البريطانية إلى إعادة تقييم موقفها، في ظل غضب شعبي متصاعد من المشاهد المؤلمة التي تخرج من القطاع.
المساعدات الإنسانية أولاً
طالب ستارمر بالسماح العاجل بدخول المساعدات، مشيرًا إلى ضرورة مرور 500 شاحنة غذائية يوميًا إلى غزة. وأكد أن بريطانيا تعمل مع حلفائها على تكثيف الجهود الجوية والبرية لإدخال المساعدات. في الوقت نفسه، شدد على أن حركة حماس مطالبة بإطلاق سراح الرهائن، القبول بوقف إطلاق النار، ونزع سلاحها بالكامل.
إقامة الدولة الفلسطينية
أوضح ستارمر أن أحد أسباب هذا التحول في الموقف البريطاني هو القلق من أن يصبح الاعتراف بدولة فلسطينية أمرًا مستحيلًا مع مرور الوقت، قائلاً: “إذا لم نتحرك الآن، قد لا تبقى هناك دولة يمكن الاعتراف بها”. وأضاف أن احتمال قيام دولة فلسطينية يتراجع أكثر فأكثر، في ظل تدهور الوضع على الأرض.
انقسام داخل الحكومة البريطانية
من أبرز المؤيدين للاعتراف بدولة فلسطين: نائبة رئيس الوزراء أنجيلا راينر، وزيرة العدل شبانة محمود، ووزير الطاقة إد ميليباند، ووزير الخارجية ديفيد لامي.

في المقابل، أعرب وزراء آخرون، مثل وزيرة المالية رايتشل ريفز ووزير التكنولوجيا بيتر كايل، عن قلقهم من أن هذه الخطوة قد تضعف موقف بريطانيا كوسيط نزيه في النزاع.
ضرورة إدخال المساعدات
من الأمم المتحدة، أكد لامي أن بريطانيا تتحمل “عبئًا خاصًا” تجاه حل الدولتين، مشيرا إلى تاريخها الطويل في الصراع.
وانتقد موقف الحكومة الإسرائيلية، مؤكدًا أن رفضها لحل الدولتين “خاطئ أخلاقيًا واستراتيجيًا”، ودعا إلى توسيع عاجل لإدخال المساعدات إلى غزة.
مواقف سياسية متباينة
النائبة العمالية سارة تشامبيون، التي نظّمت الرسالة المطالِبة بالاعتراف، وصفت القرار بأنه “لحظة سياسية فارقة”. لكنها واجهت تحذيرات من “أصدقاء إسرائيل في حزب العمال”، الذين قالوا إن الاعتراف بدولة فلسطينية دون إطار سلام شامل سيكون “رمزيًا فقط” ويُضعف من قدرة بريطانيا على التأثير الفعلي في حل النزاع.
فيما هاجمت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوك الخطوة، ووصفتها بأنها محاولة لمعالجة “أزمة داخل حزب العمال”. وأضافت: “الاعتراف بدولة فلسطين لن يعيد الرهائن، ولن ينهي الحرب، ولن يدخل المساعدات. إنها مجرد مناورة سياسية رخيصة”.
خطوة رمزية
بحسب د. جولي نورمان، أستاذة العلاقات الدولية بجامعة UCL بالمملكة المتحدة، فإن الاعتراف البريطاني بفلسطين سيكون خطوة “رمزية ولكن ذات دلالة قوية”.
وأوضحت أن تمرير الاعتراف عبر الأمم المتحدة قد يواجه اعتراضًا أمريكيًا، لكن موقف بريطانيا وفرنسا سيشكل ضغوطًا دبلوماسية كبيرة. وأضافت: “لن يتغير شيء ماديًا على الأرض فورًا، لكن الخطوة ستمنح الفلسطينيين موقعًا تفاوضيًا أقوى مستقبلاً”.
تداعيات على اللاجئين
السير فنسنت فيان، القنصل البريطاني السابق في القدس، أوضح أن الاعتراف لن يؤثر على أنظمة الهجرة أو “حق العودة” للفلسطينيين. وأكد أن الجوازات الفلسطينية قد تُعترف بها رسميًا، لكن التأشيرات ستظل مطلوبة.
كما أشار إلى أن بريطانيا لا تعترف بحكومات بل بدول، ما يعني أن الاعتراف لن يُترجم تلقائيًا إلى دعم لأي طرف سياسي محدد داخل فلسطين.
من المتوقع أن يكون مصير غزة محورًا أساسيًا في المفاوضات المقبلة، مع حديث عن إمكانية تسليم إدارة القطاع للسلطة الفلسطينية بعد انتهاء الحرب.
الاعتراف في سياق دولي أوسع
إلى جانب فرنسا، أعلنت دول أوروبية مثل إسبانيا وإيرلندا والنرويج اعترافها بفلسطين، وهو ما زاد الضغط على بريطانيا للحاق بالركب. حوالي 144 من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف بفلسطين، لكن معظم دول الاتحاد الأوروبي لا تزال مترددة.
وإذا ما انضمت لندن وباريس معًا، فإن ذلك سيعني تحولًا مهمًا في ميزان المواقف الدولية.
هل تعزل الخطوة بريطانيا أم أمريكا؟
د. نورمان ترى أن اعتراف بريطانيا قد يعزل الولايات المتحدة دبلوماسيًا كأكبر قوة غربية لا تزال ترفض الاعتراف بفلسطين.
وقالت: “هذا يُظهر أن أوروبا أكثر التزامًا بحل الدولتين، ويعيد التوازن في النقاش الدولي”. كما أشارت إلى أن الخطوة، رغم رمزيتها، قد تُحدث فرقًا ملموسًا في مواقف الأطراف الفاعلة عالميًا.

