فهيم حامد الحامد
محلل استراتيجي
أعادت السعودية تموضعها مجددًا داخل مركز صناعة القرار العالمي الأممي في نيويورك خلال 48 ساعة الماضية، وحققت اختراقات جيوسياسية استراتيجية تمخضت عن إعلان اعتماد الوثيقة الختامية لمؤتمر حل الدولتين، والتي تضم مقترحات شاملة عبر المحاور السياسية، والأمنية والإنسانية، والقانونية، وسردية استراتيجية لتشكّل بذلك الإطار المتكامل والقابل للتنفيذ من أجل تطبيق حل الدولتين؛ متزامنًا مع إعلان بريطاني تاريخي بالاعتراف بالدولة الفلسطينية في سبتمبر واعتراف كندي و مالطي مماثل وسبقه اعتراف فرنسا بالدولة الفلسطينية؛ عبر دبلوماسية متعددة الأطراف وتحركات استراتيجية محسوبة عزّزت من خلاله حضور السعودية في المحافل الدولية، كشريك فاعل في استقرار المنطقة، وضامن للسلم العالمي.
وسجل الحراك السعودي الأممي الذي قاده بامتياز سمو وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان وحقق زخمًا واسعًا وتوافقًا على تسوية “عادلة” للقضية الفلسطينية وإدانة “تجويع غزة”، وساهم في دفع الدول الكبرى نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية عاجلاً أو آجلاً؛ حيث تؤكد المصادر أن اجتماعات الجمعية العمومية في الأمم المتحدة القادم في سبتمبر سيشهد سيل من الاعترافات بالدولة الفلسطينية إلى جانب بريطانيا خصوصًا من أعضاء الاتحاد الأوروبي.
حضور مكثف في المشهد العالمي
ولم تكن السعودية غائبة عن المشهد الفلسطيني السياسي الدولي في أي يوم من الأيام، بل كانت قريبة جدًا من تداعيات الصراع العربي الإسرائيلي في المحافل العالمية، وناضلت وكافحت من أجل تثبيت الحقوق الفلسطينية المشروعة والاعتراف بالدولة الفلسطينية، بيد أنها نافحت في الفترة الأخيرة وعضدت حراكها العالمي ولعبت دورًا حاسمًا – وهادئًا في آنٍ واحد – في تغيير اتجاهات بعض الدول الكبرى نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينة كونها أصبحت الدولة الأبرز في التأثير على القرار الدولي، بفضل دبلوماسيتها الهادئة، وموثوقيتها لدى العواصم الغربية. هذا الثقل السياسي الدولي منحها القدرة على إيصال الرسائل الكبرى إلى أوروبا والولايات المتحدة، بلغة حظيت بالاحترام والقبول فضلاً عن نجاحها في تعزيز تموضعها في التكتلات الدولية داخل الأمم المتحدة خصوصًا الاتحاد الأوروبي، وقادت تحركات منسقة أممية وفي مجلس الأمن لدعم الحق الفلسطيني، وساهمت في حشد التأييد لقرارات تصب لصالح الاعتراف بالدولة الفلسطينية. هذا الحراك جعل الكبرى التي كانت تتخذ مواقف رمادية أو سلبية أو تجاهلية للقضية الفلسطينية تعيد النظر في سياساتها الأحادية الداعمة للكيان الصهيوني الغاشم.
لا تنمية وازدهار بدون سلام واستقرار
واستثمرت المملكة علاقاتها الاستراتيجية مع باريس ولندن وواشنطن وبون وبروكسل وموسكو وبكين لتبنّي موقف أكثر توازنًا، فكانت رسائل الرياض واضحة: لا استقرار إقليميًا دون حل عادل للقضية المحورية، ولا حل عادلاً دون اعتراف صريح بالدولة الفلسطينية. ولا تنمية ولا استثمار بدون سلام واستقرار.
لا تطبيع بدون الاعتراف بالدولة الفلسطينية
وإذا كانت الدول الكبرى ترغب في الاستثمار في المنطقة فعليها تحقيق السلام العادل والشامل في المنطقة وإعادة الحقوق الفلسطينية المشروعة وتنفيذ القرارات المعنية بالقضية الفلسطينية وإنهاء تجويع غزة، والاعتراف بالدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، وعقب ذلك تعيش المنطقة بسلام وأمان جنبًا إلى جنب معًا وتبدأ عملية التطبيع بعد أن يشعر الفلسطينيون بعودة أراضيهم المسلوبة وكرامتهم المخطوفة.
لقد أظهرت المملكة التزامها الدائم بالحل السلمي ورفض العنف والتطرف وتعزيز قيم التسامح والتعايش السلمي والاعتدال ورفض الكراهية وفهم ثقافة الآخر، ما جعل خطابها السياسي بشكل عام مقنعًا ومتوازنًا وشفافًا في المجتمع الدولي، فضلاً عن دعواتها المتكررة لوقف العدوان على غزة، وتحركاتها الإغاثية والإنسانية، ورسّخت الرياض صورتها كصوت العقل، مما عزز ضغوط الرأي العام الأوروبي على حكوماته وغيّرت بعض الدول موافقها لمصلحة القضية الفلسطينية.
الاستفادة من الاعتراف الفرنسي والبريطاني
ومع المتغيرات في مراكز القوى العالمية، أدركت المملكة أهمية إعادة توجيه الرأي الدولي، فدعمت وحدة الصف العربي، وعززت من خطاب الحقوق المشروعة للفلسطينيين بعيدًا عن الشعارات المسيّسة وحديث العقل والحكمة، مستفيدة من تغير المزاج الدولي بعد مجازر غزة والانسداد السياسي في عملية السلام.
دبلوماسية عالمية ومعرفة بالتوازنات
ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن تغييز مواقف الدول الكبرى لم يكن نتيجة ضغوط الرأي العام فقط، بل نتيجة عمل دبلوماسي منهجي ومتواصل قادته السعودية، التي باتت اليوم لاعبًا فاعلاً أساسيًا في تشكيل التوازن الدولي، وصوتًا عربيًا يُستمع إليه باحترام في قاعات القرار الأممي.
حراك فاعل بدون ضجيج
ونجحت، بفضل دبلوماسيتها الهادئة والمتوازنة والمقنعة، في إعادة التموضع كلاعب مركزي داخل منظومة صناعة القرار الأممي، لا سيما في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية. فقد جاء الاعتراف المتنامي بدولة فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة ليعكس ثمار سنوات من الجهود السعودية المستمرة، التي قادتها المملكة بحكمة وحنكة سياسية، بعيدًا عن الضجيج، لكنها كانت فاعلة ومؤثرة في توجيه بوصلة الرأي الدولي.
الاعتراف البريطاني صدمة للعدو وفرحة لدعاة السلام
وفسر المراقبون إعلان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن بلاده ستعترف بفلسطين كدولة بحلول اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر، ما لم تتخذ إسرائيل ما وصفه بـ “إجراءات ملموسة” لإنهاء “الوضع المروع” في قطاع غزة؛ بمثابة صدمة كبرى للقوى المضادة للقضية الفلسطينية وإعجاب وتثمين من القوى الداعمة للسلام العادل والشامل.
وتبنت السعودية منذ عقود المبادرة العربية للسلام، ولعبت دورًا حاسمًا في حشد الدعم للدولة الفلسطينية، من خلال تحركات دبلوماسية مكثفة، وتنسيق مع الدول المؤثرة، وإبراز البعد الإنساني والسياسي للقضية. وقد ترجمت هذه الجهود عبر مواقف واضحة في المحافل الدولية، وخطابات رفيعة المستوى، تؤكد أن الحل العادل والشامل لا يتحقق إلا بقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
كسر للانحياز الغربي لإسرائيل
وليس هناك رأيان أن اعتراف فرنسا واعتراف بريطانيا بدولة فلسطين – في حال حدوثه رسميًا – يُعد تحوّلاً دبلوماسيًا كبيرًا وله أبعاد استراتيجية، ويمكن قراءته بحدوث تحول في الموقف الأوروبي ويمثل كسرًا للانحياز الغربي التقليدي لإسرائيل، ويشير إلى تغيّر في المزاج السياسي الأوروبي تجاه العدالة وحقوق الشعوب، تحت ضغط الرأي العام وتفاقم الأوضاع في غزة يعزز الاعتراف بمبدأ حل الدولتين، ويمنح الفلسطينيين زخمًا قانونيًا وسياسيًا جديدًا على الساحة الدولية، في مواجهة محاولات تغييبهم أو تقزيم حقوقهم.
التحول في مضامين الخطاب الاممي
ومن الأهمية الإشارة إلى التحول في ميزان الخطاب الأممي كلما ازداد عدد الدول المعترفة، زادت قوة تمثيل فلسطين في الأمم المتحدة، ما يقرّبها من نيل العضوية الكاملة ويعيد ترتيب أولويات ملفات الشرق الأوسط.
إعادة صياغة مفاهيم العدالة والسلام
إنه التحوّل الاستراتيجي الذي سيعيد رسم ملامح الشرق الأوسط لاسيما أن اعتراف دول كفرنسا وبريطانيا بدولة فلسطين لا يمثل فقط خطوة قانونية، بل يعكس إعادة صياغة مفاهيم العدالة الدولية، ويعيد الروح لمبادئ القانون الدولي التي تجاهلتها بعض القوى الكبرى طويلاً. وهو في الوقت ذاته، نصر دبلوماسي لمنظومة عربية تقودها السعودية، تتحرك بصمت واتزان نحو تحقيق سلام عادل ومستدام، قائم على الاعتراف بالحقوق لا الإملاءات.

