د. تركي العيار
أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود
في عالمنا الذي يضج بالتحديات والتقلبات، نبحث جميعًا عن من يمدّنا بطاقة إيجابية، ويعيننا على مواجهة مصاعب الحياة بثقة وأمل. لكن المؤسف أن بعض العلاقات، رغم تسميتها بـ”الصداقة”، تكون عبئًا نفسيًا ثقيلًا، لأن بعض الأصدقاء – وأتمنى أن يكونوا قلة – تخصصوا في جلب النكد والتعاسة إلى مجالسهم وأحاديثهم، كأنما اختاروا لأنفسهم مهمة هدم المعنويات وكسر المجاديف، والتفنن في تثبيط الهمم وزرع الشك وسوء الظن في النفوس.فأصدقاء النكد لا يرون في الحياة سوى النصف الفارغ من الكأس، ولا يملكون سوى عدسة سوداء ينظرون بها إلى كل شيء. يتقنون فن التذمر والشكوى، ويجدون لذة في إشاعة الإحباط بين أصدقائهم. لا يعجبهم العجب، ولا يرضيهم صيام رجب، ويبدون امتعاضهم من كل إنجاز، مهما كان براقًا. يستخفّون بالطموحات، ويقلّلون من النجاحات، وكأن رسالتهم في الحياة هي القضاء على الأمل.
الدراسات النفسية تؤكد خطورة هذا النمط من الأصدقاء. ففي دراسة أجرتها جامعة “ميتشيغان” الأمريكية، وُجد أن التواصل المتكرر مع الأشخاص ذوي النظرة السلبية قد يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والقلق، ويؤثر على إنتاجية الفرد ومزاجه العام. وأشارت دراسة منشورة في مجلة Psychological Science إلى أن المشاعر السلبية قابلة للانتقال كعدوى عاطفية، خصوصًا في العلاقات الوثيقة كالصداقة، حيث يتأثر الإنسان تلقائيًا بسلوك ومزاج المقربين منه.
ويؤكد ايضا باحثو جامعة “نورث كارولاينا” أن “المحيط الاجتماعي السلبي” يشكل عامل خطر حقيقي على الصحة النفسية، قد يتسبب في اضطرابات النوم، ضعف التركيز، وانخفاض الشعور بالرضا عن الحياة. والمشكلة أن تأثير هؤلاء لا يقتصر عليهم فحسب، بل يمتد إلى الآخرين من حولهم، لأن الصاحب ساحب، والقرين بالمقارن يقتدي. ومع مرور الوقت، قد تجد نفسك تتبنى نفس النظرة السوداوية، وتفقد قدرتك على الفرح، أو الحلم، أو حتى الاستمتاع بالحياة.
لهذا، فإنني أهيب بكل من يحرص على سلامته النفسية وصحته المعنوية أن يحسن اختيار أصدقائه. اختر من يمنحك الطاقة الإيجابية، من يضيء لك شموع الأمل، من يذكّرك بأن القادم أجمل، وأنك قادر على الإنجاز مهما تعثرت. ابحث عن أولئك الذين يرفعونك إن سقطت، ويدفعونك إلى الأمام إن توقفت، ويؤمنون بك ولو شكّ بك الجميع.
صداقة النكد ليست قدَرًا. وهي ليست مسؤوليتك أن “تغيّرهم” أو “تصلحهم”، إن لم يكونوا هم راغبين في التغيير. فلست مطالبًا بأن تضحي بسعادتك من أجل بقائهم في حياتك. فلنكن صريحين: الحياة قصيرة، ولا تحتمل صحبة تمتص منك فرحك.
وأخيرًا، كما أن السعادة معدية، فإن النكد كذلك. فكن مصدر نور، ورافق من يشعل معك شموع الحياة، لا من يطفئها في عينيك.

