ليست كل الحروب تُخاض بالدبابات والطائرات. ثمة جبهات تُرسم على شاشات التلفاز، وتُزرع ألغامها في عقول الجمهور، وتُخاض معاركها في الوعي الجماعي لا في الميدان. في هذه الحرب، لا يُسمع صوت الرصاص، بل يُسمع صدى الشك، والتضليل، والتلاعب بالحقائق.
إنها “الحرب المعرفية” غير الملموسة التي توظّفها روسيا بدهاء لتعويض محدودية قوتها الصلبة، ولتطويع خصومها عبر هندسة عقولهم لا أجسادهم.
الحرب المعرفية
وفق ما نشرت مجلة فورين بولسي الأمريكية فإن الحرب المعرفية، كما تمارسها روسيا، تتجاوز التضليل الإعلامي أو حملات الأخبار الزائفة. هي استراتيجية شاملة تهدف إلى التأثير على طريقة تفكير الخصوم، بحيث يستبطنون رواية الكرملين،
ويعيدون ترتيب أولوياتهم بطريقة تخدم المصالح الروسية. هي محاولة ممنهجة لإقناع العالم بأن “الواقع الروسي” هو الحقيقة الوحيدة الممكنة، وأن مقاومة موسكو عبثٌ لا طائل منه.
الغاية الكبرى من الحرب المعرفية ليست الانتصار العسكري، بل تقويض إرادة الخصم على الفعل. روسيا تدرك أنها لن تنتصر على الغرب أو الناتو ميدانيًا، لذلك تسعى لجعل خصومها يُقنعون أنفسهم بأن دعم أوكرانيا أمر لا جدوى منه، أو أن الانتصار الروسي حتميّ. فإذا اقتنع الجمهور الغربي والمسؤولون بأن المعركة خاسرة سلفًا، فستُترك أوكرانيا لمصيرها، وهو ما تسعى موسكو إليه دون إطلاق رصاصة.
السردية قبل القذيفة
روسيا لا تترك وسيلة إلا وتستخدمها في هذه الحرب، وسائل الإعلام، المؤتمرات الدولية، القنوات الدبلوماسية، الشخصيات العامة، بل وحتى المناورات العسكرية والتخريب والهجمات الإلكترونية. كل شيء يُستغل لبناء سردية موحّدة: روسيا قوية، عادلة، وضحية؛ والغرب، متآمر، متغطرس، ومذنب في استمرار الحرب.

هذا التلاعب الإدراكي يهدف إلى خلق ارتباك معرفي: من هو المعتدي؟ من الضحية؟ ما الحقيقة؟ فإذا نجحت روسيا في إقناع الآخرين بأن الإجابات ليست واضحة، فإنها تكون قد ربحت معركة الإدراك، حتى ولو خسرت بعض المواقع.
ضعف أمام الطموح
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يفتقر إلى الطموح من خلال إعادة إحياء روسيا كقوة عظمى، وفرض نفوذها على جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، وتقويض هيمنة الولايات المتحدة. لكنه يفتقر إلى الأدوات الكافية لتحقيق هذه الطموحات. فروسيا، رغم امتلاكها للنفط والسلاح النووي، ليست شريكًا جذابًا، ولا تملك القدرة الكافية لفرض إرادتها عسكريًا أو اقتصاديًا على جيرانها.
هنا يأتي دور الحرب المعرفية، وهو ردم الفجوة بين الطموح والإمكانات عبر التأثير على وعي الخصم بدل مواجهته مباشرة.
جذور سوفيتية واستمرارية بوتينية
ليست الحرب المعرفية اختراعًا جديدًا، بل امتدادٌ لمفاهيم سوفيتية تعود إلى الستينيات، مثل “التحكم الانعكاسي” التي وضع أسسها العالم فلاديمير ليفبفر، وهي تقوم على جعل الخصم يتخذ قرارات تخدم مصالحك دون أن يدرك ذلك.
أعاد بوتين إحياء هذه الممارسات بعد ثورات سلمية أطاحت بأنظمة موالية لموسكو في جورجيا (2003) وأوكرانيا (2004). هذه التحولات الديمقراطية هزّت الكرملين، فاندفع لإطلاق حملات إعلامية موسعة لإعادة تشكيل وعي شعوب تلك الدول، وزرع روايات الانقسام والانفصال داخلها.
من الانفصالية إلى السيطرة الإعلامية
بدأت روسيا بنسج سردية “الانفصال” في أوكرانيا منذ 2004، لتُستخدم لاحقًا في عملياتها الهجينة عام 2014، ثم في الهجوم الكامل عام 2022. بالمقابل، سعت موسكو لتوسيع نفوذها الإعلامي عبر وكالات مثل RT وTASS وسبوتنيك، وأنشأت برامج تدريب لصحفيين موالين لها في الخارج.
وفي الداخل، أحكم بوتين قبضته على وسائل الإعلام الروسية منذ أوائل الألفية. كل عام جديد كان يعني قانونًا جديدًا للرقابة، أو منصة جديدة للمراقبة، حتى وصلت الرقابة إلى مستويات سجن مراهق بسبب قصيدة.
حدود واضحة
رغم نجاح روسيا في إرباك مواقف الغرب، وتثبيط بعض قرارات تسليح أوكرانيا، إلا أن هذه الحرب غير التقليدية تواجه حدودًا واضحة. فالمعطيات الميدانية لا يمكن إخفاؤها إلى الأبد. الخسائر الروسية الهائلة، والفشل في تحقيق الأهداف العسكرية، وانكشاف محدودية القدرات الروسية، كلها أمور تُضعف السردية الروسية وتعريها.
ربما لا تستطيع روسيا احتلال كييف بالدبابات، لكنها تحاول احتلال العقل الغربي بالسرديات المشوّهة. ومع أن هذه الاستراتيجية منحتها هامش مناورة واسع، إلا أنها تُظهر في الآن ذاته ضعفها البنيوي، وحاجتها الدائمة إلى “إقناع الآخرين” لتعويض عجزها عن فرض إرادتها عليهم.

