فهيم حامد الحامد
محلل استراتيجي
بالوعد الذي قطعه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مؤخرًا، والذي أشاع روح الأمل في الأوساط الفلسطينية والعربية، تفتح بريطانيا صفحة جديدة ستمهّد لتصحيح أحد أسوأ أخطائها التاريخية، المتمثل في وعد بلفور عام 1917. وبعد مرور أكثر من 108 أعوام، يأتي الإعلان عن نية الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين – في حال التزمت إسرائيل بخطوات جوهرية كوقف إطلاق النار في غزة – كمؤشر على تغيّر في المزاج السياسي البريطاني، وتحول لافت في البوصلة الأخلاقية والسياسية تجاه القضية الفلسطينية.
هذه الخطوة، وإن جاءت متأخرة، إلا أنها تحمل وزنًا رمزيًا وسياسيًا كبيرًا، وتُقرأ في سياق مراجعة مواقف القوى الدولية من الاحتلال الإسرائيلي وضرورة إرساء حل عادل وشامل. فهل تكون هذه الخطوة بداية لتكفير بريطانيا عن إرثها الاستعماري في فلسطين؟ وهل تعكس صحوة ضمير حقيقية؟ الأشهر القادمة كفيلة بالإجابة، خصوصًا أن وعد ستارمر له دلالات تاريخية وسياسية عميقة تتجاوز مجرد موقف سياسي، بل ترتقي إلى خطوة متعاظمة وتغيير لحقبة تاريخية كانت بريطانيا أحد أبرز مهندسيها، منذ وعد بلفور عام 1917 المشؤوم.
ويُعد وعد بلفور عبارة عن رسالة من 67 كلمة وجّهها آرثر بلفور، وزير الخارجية البريطاني حينها، إلى ليونيل روتشيلد، وهو بريطاني صهيوني بارز، يدعم فيها “إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين”، ناسفًا كل الآمال لإقامة دولة فلسطينية تعيش جنبًا إلى جنب مع دولة يهودية. وصدر وعد بلفور في 2 نوفمبر عام 1917 على شكل رسالة من آرثر بلفور إلى اللورد الصهيوني روتشيلد، يتعهد فيها بدعم “إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين”، دون أي اعتبار للحقوق السياسية والوطنية للسكان الأصليين، أي الفلسطينيين.
وتُعد الخطوة البريطانية، وإن جاءت متأخرة (بحسب المثل الغربي “أن تأتي متأخرًا أفضل من ألا تأتي”)، إلا أنها تحمل بعدًا أخلاقيًا وقانونيًا، ورسالة سياسية قوية لإسرائيل وواشنطن؛ مفادها أن الزمن الجيوسياسي الحالي لم يعد يحتمل المزيد من التجاهل لمعاناة الشعب الفلسطيني وتجويع غزة، وأن الشرعية الدولية لا يمكن أن تظل رهينة للمواقف الأحادية أو التوازنات المصلحية والارتهان لمواقف الإدارة الأمريكية المتخاذلة – سواء الديمقراطية أو الجمهورية – واستمرارية العربدة الإسرائيلية في غزة. ولطالما اتُّهمت بريطانيا تاريخيًا بالمساهمة في تصعيد مأساة الفلسطينيين، بدءًا من وعد بلفور وحتى دعمها المتكرر لإسرائيل في المحافل الدولية.
وإن مضت بريطانيا فعلًا في الاعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية في سبتمبر، فإنها ستقترب من طي صفحة سوداء قاتمة في المشهد السياسي العالمي طال انتظارها، وستكفّر عن خطيئتها بمجرد الاعتراف وتبني دور أكثر فاعلية في دعم الحل العادل، وإنهاء الاحتلال، والضغط لوقف الانتهاكات، والاعتراف الكامل بالحق الفلسطيني المشروع.
ويُعد هذا التحوّل في المسار البريطاني ليس فقط محاولة لتصحيح الخطأ التاريخي، بل يعكس كذلك تغيّرًا في المزاج السياسي داخل القوى السياسية في بريطانيا نفسها، حيث تتزايد الأصوات البرلمانية والشعبية المنادية بإنصاف الفلسطينيين، في ظل مجازر موثقة وأوضاع إنسانية متدهورة في غزة. التوجه السياسي البريطاني الجديد رسالة مهمة لإسرائيل، مفادها أن العالم لم يعُد يتقبل صمتها أو تعنّتها وعربدتها ودمويتها وسفكها، ويمنح الفلسطينيين دفعة معنوية وقانونية كبيرة نحو تحقيق حلم الدولة المنتظر منذ عقود. وتكون بريطانيا قد تصالحت مع التاريخ، وتصافحت مع العرب، وعانقت الشعب الفلسطيني، وأعادت تعريف دورها في الشرق الأوسط كشريك نزيه وحقيقي في السلام، لا طرف في الأزمة.
ووفق الإعلان البريطاني على الملأ، قد تكون بريطانيا في طريقها لإصلاح “أم الكوارث” التي ارتكبتها عام 1917 بإعلانها وعد بلفور الذي مهّد للإعلان عن دولة يهودية صهيونية على حساب الشعب الفلسطيني ومقدراته ومستقبل أجياله.
ويؤكد المراقبون البريطانيون أن الربط بين الاعتراف المرتقب ووقف إطلاق النار في غزة يشير إلى رغبة بريطانية في استخدام الاعتراف كورقة ضغط إيجابية قوية على إسرائيل، تدفع نحو التهدئة الشاملة، وتعيد التوازن الحقيقي للجهود الدبلوماسية، بما يعيد طرح حل الدولتين كخيار واقعي ومضمون، تشارك بريطانيا العظمى في صناعته كشريك محوري للسلام وليس كساعٍ للبريد أو تابع للولايات المتحدة الأمريكية. والموقف البريطاني التاريخي، إذا تُوّج بالفعل بخطوة رسمية في سبتمبر، سيكون بمثابة تطهير سياسي للذنب التاريخي لوعد بلفور المشؤوم، وفرصة لبريطانيا لاستعادة مصداقيتها الأخلاقية في العالم العربي والإسلامي، كما سيفتح الباب أمام دول كبرى كانت مترددة للتحرك في المسار ذاته، مثل إيطاليا وألمانيا.
وظل الفلسطينيون المغلوبون على أمرهم منذ 108 سنوات من وعد بلفور ينظرون إلى الوعد كجذر المأساة الكارثية التي حلّت بهم، وكمقدمة لاحتلال أراضيهم وتهجيرهم القسري. وينظر إلى الوثيقة، التي أُطلق عليها “وعد بلفور”، على أنها عامل أساسي ومحوري ساهم في قيام دولة إسرائيل في العام 1948، وهو ما أدى إلى تهجير 750 ألف فلسطيني وتدشين الصراع العربي الإسرائيلي المستمر منذ عقود بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
والمفارقة أن القرار البريطاني الذي أعلنه رئيس الوزراء ستارمر يأتي بعد 108 أعوام على إصدار بريطانيا وعد بلفور الذي مهّد الطريق لإنشاء دولة إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني. إن ربط بريطانيا الاعتراف بسلوك إسرائيل الميداني يحمل رسالة واضحة: دعم فلسطين لم يعد مشروطًا برؤية إسرائيل فقط، بل أصبح مرتبطًا بمفاهيم القانون الدولي وحقوق الإنسان. هذه المعادلة الجديدة قد تفتح الباب أمام تحوّل أوسع في الموقف الأوروبي بأكمله، وتمنح القضية الفلسطينية دفعة سياسية غير مسبوقة منذ عقود.
فهل تصلح بريطانيا “خطأ بلفور” بعد 108 سنوات من وعده بوعد رئيس وزرائها الشجاع؟ إذا كان وعد بلفور قد أسّس لاحتلال دموي، فربما يكون اعتراف لندن القادم هو اللبنة الأولى لتأسيس عدالة تاريخية عالمية طال انتظارها.

