شهد جنوب القوقاز في الأشهر الأخيرة تحولًا لافتًا في ميزان القوى، تجلّى في تصاعد التوتر بين روسيا وحلفائها التقليديين، خصوصًا أذربيجان وأرمينيا.
فحادثة وفاة مواطنَين أذربيجانيين في الحجز بعد اعتقالهما خلال مداهمة للشرطة الروسية بمدينة يكاترينبورغ في يونيو الماضي، لم تكن سوى الشرارة التي كشفت عمق الخلافات المتصاعدة بين موسكو وباكو. وعلى الرغم من التاريخ الطويل للعلاقات، فإن تصاعد هذه الأزمة يعكس تراجع النفوذ الروسي في الإقليم، لصالح قوى أخرى تسعى إلى شغل هذا الفراغ، في منطقة كانت لسنوات طويلة تُعدّ من ممتلكات موسكو السياسية والأمنية.
حادثة يكاترينبورغ.. بداية أزمة
في أواخر يونيو، اعتقلت السلطات الروسية مجموعة من الأذربيجانيين في يكاترينبورغ، وتوفي اثنان منهم في ظروف غامضة، وأظهرت تقارير الطب الشرعي لاحقًا أنهم تعرضوا للضرب.
وأثارت الحادثة غضبًا واسعًا في أذربيجان، وردت باكو باعتقال عدد من الروس المقيمين لديها بشكل غير قانوني، وعلّقت الفعاليات الثقافية الروسية وقلّصت التعاون البرلماني.
استفزاز باكو
يشير موقع موقع “وورلد بوليتيكس ريفيو” إلى أن تصاعد التوتر دفع البلدين إلى استدعاء السفراء وتبادل الاحتجاجات، في مشهد غير مألوف بين دولتين ترتبطان بتحالفات سياسية واقتصادية وثيقة.

لكن الحادثة لم تكن معزولة؛ بل جاءت بعد سلسلة من الخلافات التي بدأت تطفو على السطح، وخصوصًا بعد إسقاط طائرة أذربيجانية بصواريخ روسية في يناير، ما أدى إلى مقتل عدد من الركاب. فيما لم تعتذر روسيا رسميًا، بل اكتفت بالإعراب عن “الأسف”، ما أثار استياء باكو.
تراجع النفوذ الروسي
لطالما اعتُبرت منطقة جنوب القوقاز جزءًا من المجال الحيوي الروسي، لكن الحرب في أوكرانيا قلبت المعادلة. فمع انشغال موسكو بالجبهة الأوكرانية، بدأ انسحاب تدريجي للقوات الروسية من مناطق حيوية في الإقليم، شمل أبخازيا وجنوب أوسيتيا، وكذلك انسحاب قوات حفظ السلام الروسية من ناغورني قره باغ بعد استعادة أذربيجان السيطرة الكاملة عليه في سبتمبر 2023.
فقدت روسيا، نتيجة لذلك، أبرز أدواتها للضغط السياسي على باكو، وبدأت أذربيجان تبحث عن حلفاء جدد لتوسيع هامش المناورة. فشهدت الشهور الماضية تحركات دبلوماسية نشطة من باكو باتجاه الاتحاد الأوروبي، وإسرائيل، وباكستان، وفتحت قنوات تواصل مع الولايات المتحدة، التي طرحت فكرة انضمام أذربيجان إلى اتفاقيات أبراهام.
وبفضل تحالفها القوي مع تركيا، باتت باكو تطبق سياسة خارجية متعددة الاتجاهات، تُقلّص من اعتمادها على موسكو، وتمنحها استقلالًا استراتيجيًا أكبر.
أرمينيا تغيّر اتجاهها.. من التبعية إلى التوازن
من ناحية أخرى، لم تعد أرمينيا، الحليف التقليدي لموسكو، كما كانت في السابق. فعلى الرغم من استضافتها قاعدة روسية في مدينة غيومري، وسماحها للقوات الروسية بتأمين حدودها مع تركيا وإيران، فإن خيبة أملها من موسكو بلغت ذروتها بعد رفض روسيا دعمها ضد أذربيجان في النزاع حول قره باغ، وحتى بعد قصف أراضٍ أرمينية.
دفع ذلك يريفان إلى تقليص اعتمادها على السلاح الروسي، وبدأت بشراء أسلحة من الهند وفرنسا، وخفضت مستوى تعاونها ضمن منظمة معاهدة الأمن الجماعي، رغم بقائها فيها اسميًا. وفي تطور مهم، زار رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان أنقرة، في محاولة ثالثة لتطبيع العلاقات مع تركيا، رغم التوترات التاريخية المتعلقة بالإبادة الأرمنية ودعم تركيا لأذربيجان في قره باغ.
أرمينيا الواقعية
أطلق باشينيان برنامجًا سياسيًا جديدًا يحمل اسم “أرمينيا الواقعية”، يقوم على تبنّي الواقع الجغرافي الحالي بدلًا من الهوية التاريخية الموسّعة. وصرّح خلال مقابلة مع صحفيين أتراك أن الاعتراف الدولي بالإبادة الأرمنية لم يعد أولوية، كما تساءل عن مدى وجاهة التمسك الوطني بجبل أرارات، الموجود حاليًا في الأراضي التركية.

ترى أرمينيا أن تطبيع العلاقات مع تركيا سيمنحها فرصًا اقتصادية كبيرة، من خلال الوصول إلى السوق التركية وأسواق الاتحاد الأوروبي عبر الموانئ التركية. ومع ذلك، تشترط أنقرة توقيع اتفاق سلام بين أرمينيا وأذربيجان كخطوة أساسية قبل فتح الحدود. غير أن هذا الاتفاق يواجه عقبة رئيسية، تتمثل في وجود بند دستوري في أرمينيا ينص على السعي للوحدة مع إقليم قره باغ، وهو ما ترفضه أذربيجان بشكل قاطع، وتطالب بحذفه قبل المضي في أي اتفاق.
العلاقات لم تنقطع كليًا
رغم هذه التحولات، فإن أذربيجان وأرمينيا لم تقطعا علاقاتهما بالكامل مع روسيا. فباكو لا تزال تعتمد على موسكو كشريك تجاري أساسي، خصوصًا في مشروع ممر النقل الدولي الذي يربط روسيا بالخليج والهند. وأطلقت في يوليو سراح خمسة مواطنين روس كانت اعتقلتهم بعد حادثة يكاترينبورغ، في بادرة تهدئة.
كذلك، لا تبدو أرمينيا مستعدة للانسحاب الفوري من منظمة الأمن الجماعي أو الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، لأن ذلك قد يخل بتوازنها الأمني في ظل استمرار التوتر مع باكو.

