خاص – الوئام
لطالما طُرح العالم كمسرح لصراع ثنائي بين واشنطن وبكين، في ما يُشبه “حربًا باردة جديدة”. إلا أن الواقع الجيوسياسي يروي قصة مختلفة. لم تعد دول الجنوب العالمي، من أمريكا اللاتينية إلى إفريقيا وجنوب شرق آسيا، مستعدة للعب دور الحليف أو التابع.
إنها تعيد تعريف النظام الدولي من خلال سياسات مستقلة وتكتلات إقليمية وشراكات استراتيجية متعددة الاتجاهات، لا تندرج تحت عباءة قطب واحد. هذه ليست مجرد مقاومة للاستقطاب، بل هي حركة نشطة نحو إعادة تشكيل موازين القوى العالمية على أسس جديدة.
الخروج من ثنائية الشرق والغرب
وفق ما نشرته مجلة ناشيونال إنترست الأمريكية فإن التحليل التقليدي للسياسة الدولية ما زال مهووسًا بمفاهيم الحرب الباردة: “محاور نفوذ”، “منافسة القوى العظمى”، و”الكتل الأيديولوجية”.
لكن هذا الإطار أصبح عاجزًا عن تفسير التحولات الحالية. فلم تعد دول الجنوب العالمي تقيس مصالحها على مقياس الولاء للغرب أو الشرق، بل على أساس البراجماتية والسيادة الوطنية. تسعى هذه الدول للتعامل مع أطراف متعددة، بما يخدم مصالحها المباشرة في التنمية، والاستقرار، والتحول التكنولوجي، دون الالتزام بمحور أو أيديولوجيا محددة.
تعدد الشراكات بدلاً من الانحياز
دول الجنوب لا تتجه نحو الصين كبديل لأمريكا، بل تبني نماذج شراكة مرنة تعتمد على التعددية. من خلال الانضمام إلى تكتلات مثل البريكس+، الآسيان، الاتحاد الإفريقي، والميركوسور، تسعى هذه الدول لإقامة شبكات اقتصادية وسياسية بديلة، قائمة على التعاون المتبادل والتنمية المشتركة.
على سبيل المثال، ضم البريكس+ دولًا متباينة في أنظمتها السياسية ومناطقها الجغرافية، مثل مصر وإيران وإندونيسيا، ما يعكس طابعًا جديدًا للتحالفات لا تحكمه الأيديولوجيا بل المصالح المتقاطعة.
الاندماج الإقليمي بديلًا عن الاتكال الخارجي
التحولات الكبرى في الجنوب العالمي لا تقتصر على السياسات الخارجية، بل تمتد إلى البنية الاقتصادية. منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA)، على سبيل المثال، تمثل مشروعًا لبناء سوق موحدة في القارة، ترتكز على إزالة الحواجز الجمركية، وتوحيد الأنظمة الرقمية، وتحديث البنية التحتية.
وفي جنوب شرق آسيا، تواصل دول الآسيان تطوير أنظمتها المالية المشتركة، ومعاييرها السيبرانية، وآليات تمويل المناخ الإقليمية. كل هذه المبادرات تعكس طموحًا في تحقيق الاكتفاء الذاتي النسبي وتقليل التبعية للفاعلين العالميين.
ترمب وتعزيز التحول نحو الاستقلال
عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة الأمريكية عام 2025 شكّلت نقطة تحوّل حاسمة، إذ دفعت سياساته الانعزالية، مثل تقليص المساعدات التنموية، وفرض الرسوم الجمركية، وانتقاد المؤسسات الدولية، دول الجنوب إلى الإسراع في البحث عن بدائل، وتعزيز استقلالها من النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.

على عكس ما حدث في ولايته الأولى، لم تنتظر هذه الدول عودة النفوذ الأمريكي، بل شرعت مسبقًا في بناء مؤسساتها البديلة، مثل البنوك التنموية الإقليمية، وأنظمة الدفع المستقلة، وتعزيز التعاون بين دول الجنوب. وهذا يعكس حقيقة أن عصر الهيمنة الأمريكية المطلقة قد انتهى.
عالم جديد… بخريطة ثالثة
ما يحدث اليوم ليس عودة إلى “عدم الانحياز” الكلاسيكي، بل تأسيس لـ”خريطة ثالثة” في الجغرافيا السياسية. لم تعد الدول تُعرّف نفسها من خلال موقعها في الصراع بين القوى الكبرى، بل من خلال قدرتها على المناورة، وبناء شبكات مصالح خاصة، وتنسيق مواقفها بشكل مستقل.
ومن التعاون بين بلدان الأمازون وإفريقيا وجنوب شرق آسيا لحماية الغابات، إلى أنظمة المدفوعات الإقليمية التي تنافس “سويفت”، تبدو هذه التحركات كـ أفعال سيادية واعية لا مجرد ردود فعل.
السيادة أولاً لا الانحياز
الجنوب العالمي لا “ينقلب” على النظام الدولي التقليدي، بل يعيد تشكيله من الداخل. لم يعد يُنظر إلى الانخراط في التحالفات الكبرى كهدف، بل كوسيلة ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز السيادة، وتسريع التنمية، وتحقيق التكامل الإقليمي.
وهذا التحول يتطلب من القوى الكبرى، وخصوصًا الولايات المتحدة، فهمًا جديدًا لهذا الواقع، فالعالم لم يعد بحاجة إلى من “يقوده”، بل إلى من “يتعاون معه” على أساس من الاحترام المتبادل.

