سعود النداح باحث دكتوراة في سياسات الرعاية الاجتماعية وإدارة المؤسسات
لفت نظري تغريدة عميقة جداً في منصة X فحواها : لا تبحث عن الراحة وأنت في سن السعي.
هذا العنوان المختصر يحمل في داخله معنى كبيراً يكفي يوقظ فينا حقيقة نغفل عنها.
هي دعوة للتذكير بأن كل قرار نميل فيه إلى الراحة على حساب السعي إنما هو قيد جديد يكبلنا داخل دائرة الوهم. تلك الدائرة التي تبدو آمنة من الخارج، لكنها في العمق ليست براحة حقيقية، بل عادة خدعنا بها عقلنا وأقنعنا أنها تناسبنا.
الراحة التي نتمسك بها ليست سوى منطقة وهمية صنعتها عقولنا تعطي إيحاءً بالاستقرار لكنها في الحقيقة تسلبنا الحركة والتجربة والتطور. من يعتادها يفقد تدريجياً شغف السعي، ويستسلم لروتين يقتل الطموح. إن منطقة الراحة قيد ناعم يجب ان نحذر منه.
السعي هو سر الحياة هو الذي يكشف لنا قدراتنا ويصقل شخصياتنا ويميزنا عن غيرنا. أما الركون للراحة في سن العطاء فهو انطفاء بطيء لا نشعر به إلا حين نفقد أعواماً من أعمارنا دون أثر. السعي يعني أن نتعب، أن نخوض التجربة، أن نخطئ ونقوم، أن نجرب ونتعلم. كل لحظة مشقة هي في حقيقتها لحظة بناء.
التاريخ لم يكتب أسماء أولئك الذين اكتفوا بالاسترخاء، بل مجّد الساعين الذين تحدّوا عاداتهم وقيودهم. من أراد أن يحصد راحة حقيقية في المستقبل فعليه أن يدفع ثمنها بالسعي اليوم.
كل قرار في حياتنا يستحق أن نسأل انفسنا: هل يقربني من هدفي أم يعيدني خطوة إلى الوراء؟ فإن كان خياراً يميل إلى الراحة بلا إنتاج، فهو خسارة مؤجلة. الراحة التي لم تُبنى على تعب وإنجاز تتحول لاحقاً إلى حسرة. أما السعي فحتى لو أنهك الجسد فإنه يترك في القلب طمأنينة وفي العقل يقيناً أن العمر لم يذهب هدراً.
لا تبحث عن الراحة وأنت في سن السعي، فالراحة الحقيقية ستجدها في نهاية الطريق. هي مكافأة المتعبين الذين قاوموا رغبتهم في الاستسلام وبنوا من تعبهم صرحاً من الإنجاز يظل شاهداً عليهم وعلى حياتهم. فالخيار لك اما أن تستسلم لراحة زائفة مؤقتة أو أن تسعى اليوم لترتاح غداً راحةً تستحقها.

