نهر عبد الوهاب حريري
محاضر بقسم الصحافة الرقميةPNU
باحثة دكتوراة KSU
لم أصدق حتى هذه اللحظة أن الإنسان يمكن أن يكون العدو الأول لذاته وللإنسانية، فهو يذيب حدوده الشخصية، ويسجن روحه، ويُقايض كرامته تحت خديعة “نِسب المشاهدات” وأوهام الشهرة الزائفة. حتى وقفتُ على حادثة مأساوية قلبت كل مقاييسي السابقة رأسًا على عقب.
هذا الإنسان المدهش الذي يبهرنا بابتكاراته التكنولوجية، ويؤكد كل يوم قدرته على توسيع آفاق المعرفة والخيال، هو نفسه الذي يصدمنا برجعتيه وبشاعته. وكأن التطور البشري اتجه في خط واحد، لا يلتفت إلى حرمة النفس ولا إلى صونها. لقد حُوِّلت التكنولوجيا من فضاء للإبداع والترفيه إلى أداة للامتهان وتسليع الروح.
حادثة وفاة المدوّن الفرنسي رافاييل غرافين، المعروف باسم جان بورمانوف على منصة Kick في فرنسا لم تكن مأساة فردية؛ بل جرحًا حضاريًا غائرًا يكشف كيف يلهث الإنسان وراء سراب الشهرة وجذب الأنظار، ولو على حساب حياته.
لم تكن وفاة رافاييل، الستريمر الفرنسي البالغ 46 عامًا، مجرد حادثة فردية عابرة. فقد أسدل الستار على حياته بعد بث مباشر استمر 10 أيام متواصلة عبر منصة Kick، امتلأ بتحديات عنيفة وتعذيب موثَّق أمام أنظار آلاف المشاهدين. وما يثير الفزع أن الأرباح تضاعفت حتى بلغت 36 ألف يورو، وكأن الألم تحوّل إلى سلعة مربحة.
لم أجد التعبير المناسب لوصف ما أشعر به حيال هذه الفاجعة؛ فكيف تغيّر مفهوم الإنسان من السمو والجمال كما في هرم ماسلو وأعلى مراتب الحاجات، إلى إذلال الذات، والفرح بالمهانة، وبيع النفس من أجل الشعور بالاهتمام والإحساس بالأهمية؟ هل باتت مشاهد التعذيب، والتحديات العنيفة، والإهانات القاسية تُقدَّم بوصفها مادةً جاذبة ومثيرة للإعجاب؟ وإلى أي أفق تتجه ذائقة الجمهور حين يُختزل الاهتمام في متابعة الألم والإهانة، بدلًا من الاحتفاء بالجمال والإبداع؟
ما جرى مع رافاييل غرافين لم يكن مجرد مأساة فردية، بل علامة فارقة تكشف انحدارًا مروّعًا في الذائقة الإنسانية. فعلى الرغم من المحتوى المهين والتحديات القاسية والعنيفة، واصل المتابعون التصفيق وكأنهم يشاهدون عرضًا مسرحيًا، غير مكترثين بصرخة إنسانية أخيرة. إن أخطر ما في الأمر أن يتقبّل الجمهور فكرة أن العنف مربح لأنه يجلب المال والاهتمام، وأن يقع صانع المحتوى في فخ “التعزيز الفوري” الذي يدفعه إلى مزيد من المخاطرة، أسيرًا لوهم المشاهدات العالية. وهكذا تتحول المنصات الرقمية إلى نسخة عصرية من الحلبة الرومانية، حيث يتسلى الجمهور بآلام الآخرين، وتُختزل القيمة الإنسانية في تسلية قاسية تفتك بالكرامة قبل أن تفتك بالجسد.
إن المذنبين كُثر: المنصات التي تغذّي هذه الثقافة، الجمهور الذي يصفق ببرود، والجهات المسؤولة التي تصمت أمام هذا الانفلات. جميعهم شركاء في صناعة مأساة تُطبع العنف كجزء من المشهد اليومي. والأدهى من ذلك هو غياب التشريعات الصارمة التي تكبح هذا الانفلات الرقمي وتردع المنصات عن استباحة كرامة الإنسان.
ويبقى السؤال: كيف يُترك المجال لممارسات مَرَضية وإهانات تُبث على الهواء مباشرة، تحت ذريعة صناعة المحتوى الجذاب والكسب المادي دون تشريعات رادعه؟
هذا الحدث ما هو إلا إنذارًا حضاريًا صارخًا يكشف أن الخطر الأكبر لا يكمن في أدوات الذكاء الاصطناعي ولا في الخوارزميات، بل في الإنسان نفسه، حين يختار أن يبيع ذاته ويهين إنسانيته تحت وَهْم الاهتمام، مستسلمًا لعبودية المشاهدات العالية مهما اختلفت المبررات.
الحمد لله على نعمة الإسلام، الذي أرسى دعائم هويتنا الأخلاقية، وثبّت أركانها لتكون حصنًا منيعًا أمام كل صور الابتذال والانحراف. والحمد لله على نعمة دولتنا العظيمة التي جعلت من الإعلام منارة للوعي، ووسيلة لصون الكرامة الإنسانية ورفعها، لا أداة لامتهانها وتسليعها.

