د. محمد العرب
رئيس مركز العرب للرصد والتحليل
منذ أن وعى الإنسان على نفسه وهو يحاول أن يفسّر الزمن: هل هو نهر يجري منبعه في الماضي ومصبه في المستقبل؟ أم هو سراب يتلاشى كلما حاولنا القبض عليه؟ الحقيقة أن الزمن لم يتغير، لكنه صار يغيّرنا نحن. لم تتبدل سرعة دوران الأرض، ولا تقلّصت حركة الكواكب حول الشمس، لكن إدراكنا له انحرف كما تنحرف المرآة إذا صُنع فيها خدش خفيّ. كنا نظن أن اليوم أربع وعشرون ساعة، لكنه أصبح في شعورنا أقصر من أن يتسع لحلم، وأضيق من أن يحتضن ذكرى.
حين كنا أطفالًا، كانت الدقائق تتمدد حتى تصير عوالم كاملة. دقيقة انتظار لعبة أو قطعة حلوى كانت تكفي لخلق قلق يشبه الأبدية. واليوم، نحن نقطع ساعات طويلة في العمل والسفر والاجتماعات، دون أن نحصي لحظة واحدة جديرة بالذكر. الزمن الخارجي ثابت، لكن الزمن الداخلي يتمدد وينكمش: يركض حين نكبر ويزحف حين نخاف. ولذلك يبدو أننا نعيش في زمن مزدوج: زمن فلكيّ يقاس بالساعات والأيام والسنوات، وزمن نفسيّ يقاس بالدهشة والملل.
إن تسارع الحياة المعاصرة لم يترك لنا فسحة لإدراك التفاصيل. كثافة المعلومات، والانغماس في الشاشات، والمطاردة الدائمة للإنجاز، كلها جعلت وعينا يتبنى إيقاعًا أسرع من عقارب الساعة. لم نعد نعيش اليوم كما هو، بل كما يفرضه علينا سيل الأخبار والإشعارات. كل حدث يقتطع من وعينا قطعة صغيرة، حتى صارت ذاكرتنا مجزأة، وصرنا نشعر أن الأيام تنزلق من بين أيدينا كما تنزلق حبات الرمل من كفّ لا يطبق عليها بإحكام.
لكن، هل الخوف من ضياع الوقت هو ما يضاعف سرعته في داخلنا؟ حين نخشى الفقد، نخشى الفشل، نخشى الموت، تصبح كل لحظة هاربة، وكل دقيقة خائفة. الخوف يصنع تسارعًا وهميًا للزمن، كأننا نركض وراءه ولا نلحق به. وما أكثر ما قال الحكماء: إن من يطارد الزمن يظل مهزومًا، بينما من يترك نفسه تنصت إلى هدوء اللحظة يكتشف أن الزمن ليس عدوًا، بل مرآة تعكس وجوده.
لقد اخترع الإنسان التقويم ليقيس الزمن، لكنه اكتشف أنه يقيس نفسه. كلما زاد العمر، ازداد شعورنا بأن السنوات تمر أسرع، لأن عقلنا يختزن تفاصيل أقل. في الطفولة كل شيء جديد، وكل يوم يحمل تجربة أولى، ولذلك يمتلئ الزمن ويتمدّد. أما في الشيخوخة، فالزمن متشابه، رتيب، متكرر، لذلك يبدو كأنه يتبخر. لسنا نحن من نعيش في الزمن، بل الزمن هو من يعيش في وعينا، يتمدد أو يتقلص بقدر ما نسمح له.
الزمن الخارجي لا يسرع ولا يبطئ، لكنه يتخفّى خلف وعينا. لذلك نحن لا نقيسه بالساعة، بل بالدهشة. دقيقة واحدة بجانب من نحب قد تختصر عمرًا، بينما ساعة في غرفة الانتظار قد تبدو أبدية. هذا التناقض هو ما يجعلنا أسرى لإدراكنا الخاص، وما يجعل الزمن في النهاية فكرة فلسفية أكثر من كونه حقيقة فيزيائية.
في الحروب، كنت ترى كيف يمكن لليلة واحدة أن تصبح دهرًا، وكيف يمكن لصوت انفجار أن يعلق في الذاكرة أكثر من عشر سنوات سلام. وفي الانتظار ترى كيف يمكن لليالي طويلة أن تتلاشى في رمشة عين، وكيف يمكن لبشرى واحدة أن تختصر حياة بأكملها. هذا هو الزمن الحقيقي: ليس ما تسجله الساعات، بل ما يسكن الروح.
إن أخطر ما نعيشه اليوم هو أننا استسلمنا لإيقاع العالم الصناعي الذي اختصر الزمن إلى أرقام. لكن الزمن ليس رقمًا، إنه إحساس. نحن نعيش في وهم أن اليوم أقصر، بينما الحقيقة أن وعينا صار أضيق. لم نعد نملك ترف الإصغاء إلى اللحظة، صرنا نحيا بذاكرة متقطعة، وأمام أعيننا يذوب الزمن دون أن نشعر.
في النهاية، الزمن لم يتغير، لكننا نحن تغيّرنا. نحن الذين اختصرنا المعنى، نحن الذين جعلنا من السرعة شعارًا ومن العجلة نظامًا. الأرض ما زالت تدور كما كانت، والشمس ما زالت تشرق كما كانت، لكن أرواحنا أصبحت تلهث، وقلوبنا صارت تستبق اللحظة التالية قبل أن تنهي اللحظة الحاضرة. ولذلك، فإن الحقيقة الصادمة هي: الزمن لا يركض، نحن الذين نركض داخله… حتى نظن أنه يسبقنا.

