كتب: فهيم حامد الحامد محلل استراتيجي
شهدت ديناميكيات الشرق الأوسط تغيرًا ملحوظًا في سياسة الرئيس ترمب، وبرز مع هذه الديناميكية شخصيات سياسية مؤثرة عديدة، إلا أن ظهور جاريد كوشنر صهر الرئيس مؤخرًا في الاجتماع الذي عقده الرئيس ترمب مع فريقه السياسي لبحث ملف غزة في البيت الأبيض مع توني بلير، يعد مؤشرًا قويًا لعودته للساحة السياسية المشتعلة في الشرق الأوسط، ولعبه دورًا محوريًا في وقف إطلاق النار في غزة الذي يسعى ترمب للوصول إليه، ليفوز بجائزة نوبل للسلام.
اللعب بالأوراق المؤثرة
يمكن القول إن عودة كوشنر إلى واجهة الملفات الشرق أوسطية، وتحديدًا ملف غزة، يشير إلى محاولة ترمب إعادة تدوير أدوات التأثير التي يمتلكها ويرغب في استخدامها مجددًا، لا سيما في الوصول إلى وقف إطلاق النار في غزة واستئناف “صفقة القرن”. خصوصًا أن كوشنر يعد مهندس المسار التطبيعي، إذ يُستدعى اليوم من قبل الرئيس ترمب ليس فقط كخبير في شؤون المنطقة، بل كرمز لنهج يمزج بين الاقتصاد والسياسة في هندسة الحلول، دون الخوض في جذور الأزمة الحقيقية وهي الاحتلال وسياسات الإبادة الجماعية.
حضور غزة في البيت الأبيض
هذا الظهور السياسي يعكس أن ملف غزة لم يعد هامشيًا في الأجندة الأميركية، بل أصبح ورقة انتخابية وسياسية يوظفها ترمب، ساعيًا لتقديم نفسه كـ”رجل السلام” القادر على وقف الحرب في غزة وأيضًا في أوكرانيا بأدواته التأثيرية المتنوعة.
مقاربة براغماتية أميركية
إن حضور كوشنر في مشهد غزة الحالي ليس فقط حدثًا سياسيًا، بل هو تعبير عن عودة مقاربة براغماتية أميركية لإدارة الأزمة في وقت تشهد فيه غزة غليانًا متعاظمًا، كونه يمتلك ميزة تفوق غيره من المقربين إلى ترمب للعب دور في هذا الملف، خصوصًا الثقة الكبيرة التي يوليها له ترمب، فضلًا عن علاقاته مع قيادات الكيان الصهيوني واللاعبين العرب الرئيسيين في ملف غزة. ولا يمكن تجاهل ما قاله جون بولتون، مستشار الأمن القومي في إدارة ترمب الأولى، عندما أكد: “لا يوجد أحد يتمتع بحجم النفوذ الذي يتمتع به كوشنر”.
ويبدو أن هذه الثقة سمحت لكوشنر بالمساهمة من جديد في استراتيجيات المنطقة، وتفهمه لتعقيداتها ولصياغة سياساتها.
ملف غزة وصفقة القرن
ويرجح مراقبون أن يلعب كوشنر دورًا هادئًا في المرحلة المقبلة في ملف غزة، وقد يعيد أيضًا ملف صفقة القرن إلى الطاولة في رئاسة ترمب الثانية في حالة حدوث تحول دراماتيكي في ملف غزة، وهو ما يستبعده المراقبون ويقللون من فرص نجاحه بسبب تعنت القيادات الصهيونية.
هل تعود الاتفاقيات الإبراهيمية؟
وتعني عودة الصفقة بالضرورة مشاركة كوشنر، فهو الذي ساهم في صياغتها والمعروفة بالاتفاقيات الإبراهيمية، والتي تمخضت في الماضي عن اتفاقيات سلام بين الكيان اليهودي وبعض الدول العربية.
ويرى البعض أن عودة كوشنر إلى البيت الأبيض وفي اجتماع هام بحضور توني بلير لمناقشة ملف غزة ستعطيه دورًا كلاعب مهم في صياغة السياسات الأميركية بالشرق الأوسط في المرحلة الحاسمة الحالية.
وقد أبدى المسؤولون اليهود، لاسيما المقربون من رئيس الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو، تفاؤلًا؛ حيث ينظرون إلى كوشنر بوصفه حليفًا لهم كونه ملتزمًا بأمن إسرائيل ومستقبلها.
سياسي بارع ولاعب اقتصادي
ويعتبر جاريد كوشنر، زوج ابنة ترمب الكبرى إيفانكا، حيث تزوجها سنة 2009 ولهما ثلاثة من الأبناء، رجل أعمال وثريًا ومستثمرًا يمتلك شركة “كوشنر بروبرتي” المتخصصة في مجال التطوير العقاري، كما أنه مالك صحيفة “نيويورك أوبزيرفر” منذ عام 2006.
وينتمي كوشنر لعائلة ثرية، فهو الابن البكر لـ”تشارلز كوشنر”، أحد أشهر مطوري العقارات في ولاية نيوجيرسي الأميركية، حيث ولد جاريد في يناير 1981 وتلقى تعليمه الأساسي في مدرسة فريش ونشأ كيهودي ملتزم، ثم دخل جامعة هارفارد في عام 2003 ليتخرج في مجال علم الاجتماع.
تشابك المصالح الاقتصادية والسياسية
وعلى الرغم من انسحابه من تولي دور حكومي رسمي، فإن المتابع لأنشطة كوشنر الاستثمارية يرى بوضوح تشابك المصالح الاقتصادية مع التحركات السياسية في منطقة الشرق الأوسط، مما يعزز من فرضية عودته بقوة في المرحلة القادمة. وقد بنى كوشنر علاقات عميقة مع القادة في المنطقة.
المجازفة والحلول النصفية
ومن زاوية تحليلية أعمق، فإن استدعاء كوشنر في هذا التوقيت قد يكون مؤشرًا على استمرار الرؤية الأميركية التي تركز على الحلول الشكلية دون معالجة جوهر الصراع، ما قد يؤدي إلى تسويات هشة تُعيد إنتاج العنف بدلًا من إنهائه. إنها لعبة “رُوليتّ ترمب في غزة” بهدف استعادة أوراق التأثير.

