عبود بن علي آل زاحم
خبير تدريب وتطوير المواهب
وعضو الجمعية السعودية للموارد البشرية
في عالم سريع التغيّر، تُصبح القيادة منصبًا لا يُمنح اعتباطًا ولا يُنال بالتمني، بل تُنتزع بالعمل الجاد والإصرار على بلوغ القمم. ولعل من أبلغ ما قيل في هذا السياق تلك الحكمة المأثورة: «من لزم الوسادة ما وجد الرئاسة»، فهي ليست مجرد كلمات، بل تختصر فلسفة كاملة في معادلة النجاح: لا قيادة مع كسل، ولا إنجاز مع تراخٍ.
الوسادة في هذه المقولة ترمز إلى الكسل والركون إلى الراحة، بينما الرئاسة ترمز إلى القيادة والريادة والتأثير. وبين الاثنين مسافة لا تُقطع إلا بالعمل، والسعي، والقدرة على التضحية بالراحة في سبيل الطموح.
لقد علّمتنا التجارب أن القادة الحقيقيين ليسوا أولئك الذين عاشوا في بحبوحة الراحة، وإنما الذين سهروا الليالي، وجربوا الفشل مرات عديدة، وتحمّلوا مشقة التعلم، وضحّوا بجزء من راحتهم لبناء مستقبل أفضل. فمن أراد الرئاسة وهو ملازم الوسادة، كمن يتمنى الثمار دون أن يغرس البذور.
ومن أروع الشواهد على ذلك ما يروى عن الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، الذي اشتهر بلقب “خامس الخلفاء الراشدين”. فعلى الرغم من أنه نشأ في بيئة مرفهة، فإنه عندما تولى الخلافة اختار أن يتخلى عن مظاهر الرفاهية ليكرّس وقته في إصلاح الأمة، حتى كان يُطفئ مصباح الدولة إذا أراد أن يتحدث في شأنه الخاص توفيرًا لبيت مال المسلمين. هذه الروح التي فضّلت التعب والسهر على الوسادة والراحة، جعلت سيرته خالدة ومثلاً يُحتذى في القيادة.
وفي عالمنا المعاصر، نجد قصصًا مشابهة في بيئة الإدارة والأعمال؛ فكم من قادة شركات كبرى أو مؤسسات حكومية حققوا نجاحات لافتة لأنهم تخلوا عن الراحة وسلكوا طريق الجد والمثابرة. نرى المدير الذي يبدأ يومه قبل موظفيه، ويغوص في التفاصيل الدقيقة ليتأكد من جودة العمل، أو المسؤول الذي يستثمر في تطوير فريقه حتى يحققوا معًا أهدافًا تتجاوز الطموحات الموضوعة. هؤلاء هم من صنعوا الفارق، لأنهم أدركوا أن القيادة ليست كرسيًا مريحًا، بل عبء ومسؤولية تتطلب بذل الجهد والتضحية.
إن رؤية المملكة 2030 وما تحمله من تطلعات تنموية تؤكد أن التميز لا مكان له في دائرة الراحة. فالمستقبل يُصنع بالجد والاجتهاد، والريادة تتحقق بالعمل المبدع، لا بالانتظار. وهنا تبرز أهمية غرس هذه القيمة في الأجيال الشابة، لنُخرج قادةً لا يهابون التعب، بل يرونه الطريق الوحيد لتحقيق الطموحات.
الرسالة الجوهرية: الرئاسة لا تأتي صدفة، وإنما ثمرة جهدٍ، وصبرٍ، واستعداد دائم لمغادرة منطقة الراحة. فالنجاح حليف من اختار أن يقاوم الوسادة، ويسعى بخطوات ثابتة نحو أهدافه.
“الراحة طريق قصير إلى الندم، أما التعب طريق طويل إلى المجد.”

