بندر السليس – نائب رئيس التحرير في صحيفة الوئام
تُعد السياحة الداخلية إحدى الركائز التي تعكس روح المملكة العربية السعودية، فمن خلالها يعبر المجتمع عن فخره بتراثه وارتباطه بجذوره الممتدة لآلاف السنين. ومع رؤية 2030، باتت المملكة تشق طريقها لتصبح إحدى أبرز الوجهات السياحية عالميًا، مستندة إلى ما تمتلكه من إرث تاريخي وثقافي وطبيعي استثنائي.
السياحة نافذة على الوطن؛ تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف تاريخه وثقافته برؤية جديدة، وتجعل من المعالم التاريخية والطبيعية محطات تُعيد صياغة علاقته بأرضه، ليخرج من كل تجربة سياحية أكثر ارتباطًا بجذوره ووعيًا بقيمة وطنه.
من مدائن صالح التي تحكي أسرار الحضارة النبطية، إلى الدرعية التاريخية التي شهدت بدايات هذا الوطن، ومن سواحل البحر الأحمر بشعابها المرجانية، إلى جبال عسير بطبيعتها الفريدة – كل زاوية من أرض المملكة تحمل قصة تُروى وتجربة تُعاش.
مشروع العلا، على سبيل المثال، لم يقتصر على ترميم المواقع التراثية، بل نجح في إبرازها كوجهة عالمية، تعكس عظمة الحضارات التي تعاقبت عليها، مع تقديم تجارب سياحية راقية تدمج بين الجمال الطبيعي والتفرد الإنساني.
السعودية اليوم تُعيد تقديم نفسها للعالم، ليس فقط عبر المشاريع الحديثة، بل من خلال إبراز عمقها التاريخي والثقافي. وقد عبّر ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عن هذه الرؤية بقوله: “نحن نحاول أن نتطور بناءً على ما لدينا من مقومات اقتصادية وثقافية وقبل ذلك الشعب السعودي وتاريخنا… لا نريد أن نقدم مشاريع منسوخة من أماكن أخرى، بل نريد أن نضيف شيئًا جديدًا للعالم”.
هذه الرؤية تتجلى في المزج الفريد بين التراث والحداثة، حيث تبرز السياحة الداخلية كجسر يربط الأجيال الحاضرة بماضيها المجيد، ويُمهّد الطريق لمستقبل أكثر إشراقًا.
وتتميز السياحة في السعودية بقدرتها على تلبية تطلعات جميع الزوار، من عشاق التاريخ والثقافة إلى محبي المغامرة والطبيعة، إذ يمكن لكل زائر أن يجد ما يلبي شغفه ويغني تجربته السياحية.
وتتجاوز السياحة حدود الترفيه لتصبح محركًا حيويًا للتنمية، إذ تسهم في خلق فرص عمل، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وتعزيز الهوية الوطنية من خلال إبراز قصص النجاح المرتبطة بالتاريخ والمكان.
كما أن الاستثمار في السياحة يخلق تفاعلًا ثقافيًا واسعًا، إذ تتحول المواقع التراثية والطبيعية إلى منصات حية تُشجّع التبادل بين الزوار والمجتمعات المحلية، بما يعزز من التواصل والتنوع.
وفي ظل المشاريع الكبرى مثل نيوم، والقدية، والبحر الأحمر، تدخل السياحة السعودية مرحلة جديدة، تتجاوز حدود الجذب التقليدي، لتقدم للعالم نموذجًا فريدًا يمزج بين الأصالة والابتكار.
إن تنشيط السياحة الداخلية ليس استثمارًا في الاقتصاد فحسب، بل هو استثمار في هوية الوطن وروحه. إنه مسار يعكس التوازن بين الحداثة والتاريخ، ويُجسّد طموح المملكة في أن تصبح نموذجًا عالميًا يُحتذى به في بناء مستقبل لا ينسى جذوره.

